الشبهة التاسعة عشرة : نقد السند دون المتن

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

السند هو سلسلة الرواة الذين رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمتن هو الكلام المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبدأ السند من الراوي الذي سمع الرسول يتحدث بحديث في التبليغ عن الله، ثم الذي سمعه منه – من السامع الأول – ثم الذي سمعه من السامع الثاني وهكذا حتى المنتهى.

وقد تكون الرواية رؤية بصرية لفعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم، أو سكوتاً منه عن فعل فعله صحابي أمام الرسول فلم ينهه عنه، فيكون ذلك السكوت دالاً على إباحة ذلك الفعل لفاعله ولغيره.

وهذه هي السُّنَّة بأقسامها الثلاثة:

  • الأقوال الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الأفعال الواقعة منه.

  • · التقريرات السكوتية عما قيل أو فعل في حضرته عليه السلام، وعلماء الحديث لما نشطوا لجمع الأحاديث والسنن، بعد رغبة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في ذلك. وضعوا شروطاً حكيمة لمن تقبل رواياتهم، ولمن ترد رواياتهم، وبذلوا في هذا المجال جهوداً مضنية، وفحصوا أحوال الرواة فحصاً دقيقاً، تطمئن إليه النفس، ويستريح القلب كل هذا تم من خلال "علوم الجرح والتعديل" ومعنى الجرح الوقوف على "النقائص" التي تمنع من قبول رواية الرواة ومعنى التعديل الثناء على الرواة الذين تتوفر فيهم شروط قبول الرواية، وعلوم الجرح والتعديل، أو الذم والتزكية من أهم علوم الحديث، وأعلاها شأناً. وقد نتج عنها عمل قوائم للرواة، كما نتج عنها تقسيم الرواة "طبقات" بينها تفاوت في الدرجات، سواء في ذلك المجرحين والمعدلين، كما وضع المعدلون في درجات، والمجرحون في درجات، إذ ليس كل المعدلين في درجة واحدة، ولا كل المجرحين في درجة واحدة.

وإذا غضضنا النظر عن المجرحين بدرجاتهم، ووقفنا وقفة قصيرة أمام المعدلين فإننا نستطيع أن نقول: إنهم عند علماء الحديث ضربان:

  • الأقوياء أو الثقات.
  • الضعفاء.

ولم يرو علماء الحديث أي حديث عن غير هذين الفريقين، وما أكثر الألقاب التي أطلقوها على أفراد هؤلاء الذين قبلوا روايتهم، مثل:

صدوق، ثقة، لا بأس بحديثه، مقبول.... إلخ

أما غير هذين الفريقين فهم "الوضاعون" والمتروكون، كل هذا – وغيره كثير – نتج عن نقد "السند" و سلسلة الرواة.

وقد هال منكر السُّنَّة ما رأوه أو سمعوا عنه من الجهود الجبارة التي قام بها علماء الحديث لنقد السند، وبدل من أن يعظموا هذا الجهد، ويتخذوا منه مدخلاً للإقرار بالسُّنَّة، عكسوا الوضع فاتخذوه مسبة قادحة في السُّنَّة، وخطط لهم الشيطان ليجعلوا الأبيض أسود، والحق باطلاً، فقالوا:

إن علماء الحديث اهتموا بنقد السند، وأهملوا نقد المتن، وهو الأهم؟ لأن المعاني في المتون، وليس في الأسانيد.

والهدف الذي يريدون الوصول إليه هو الطعن في متون الأحاديث، أي الطعن في كلام النبي نفسه، ثم في أفعاله، ثم في موافقاته، على ما وقع في حضرته من أفعال أو أقوال.

ومسلك هذا الطعن عندهم أن الأحاديث المروية عن الرسول ما تزال في حاجة إلى نقد (غربلة) لأن علماء الحديث لم يقوموا بهذه المهمة، ولم يميزوا بين الحديث السليم، والحديث الدخيل، فلابد من إعادة النظر فيها لنبقي الصالح منها، ونلغي غير الصالح؟! يعني أن السُّنَّة ما زالت غُفلاً فيها باطل مجهول.

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

اعتناء علماء الحديث نقد السند نقداً دقيقاً واسعاً حقيقة لا يماري فيها أحد. وآثارهم تشهد بذلك الاهتمام أما نقد المتن فلم يبلغ عشر معشار نقد السند، وهذه حقيقة، لا يماري فيها أحد كذلك.

ففي نقد السند تتبعوا الرواة واحداً واحداً، حتى لكأنهم كانوا يرونهم رأي العين.

أما في نقد المتن، فقد وضعوا قواعد كلية ضابطة يمكن بمراعاتها معرفة الحديث المقبول، ومعرفة الحديث المردود. فهم – أعني علماء الحديث – لم يهملوا نقد المتن كلية، بل لهم فيه عمل حكيم محمود، وإن جحده الجاحدون فليس ما تقدم موضع جدل عندنا، وإن كان كلام منكري السُّنَّة يوهم بأن علماء الحديث لم ينقدوا المتون أي نقد واسعاً أو ضيقاً.

لكن هل يؤاخذ علماء الحديث على هذا السلوك؟ وهل عدم التوسع في نقد المتون دليل على أن الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بضاعة مغشوشة، يجب اطراحها ونزع الثقة عنها؟!.

وفي الرد على هذين السؤالين نقول في إيجاز شديد:

لا يؤاخذ علماء الحديث على توسعهم في نقد الأسانيد، وقلته في نقد المتون، لأن لكل من الأمرين ما يقتضيه.

لأن النقد الأول موضوعه الرجال الذين تسلسلت الرواية عنهم، وهم لا يحصون عدداً. فالحديث الواحد يكون في سنده عشرة رجال أو أقل أو أكث ولابد من فحص كل واحد منهم فإذا فرضنا أن (أ) كتب مصنفاً في الحديث خرج فيه ألف حديث، وكان متوسط السند خمسة رواة في كل حديث فمعنى هذا أنه لابد أن يكون لديه دراية بسيرة خمسة آلاف رجل. وليس هذا بالأم السهل اليسير، ومعرفة سيرة هؤلاء الرواة كلهم ضرورة لابد منها لتوثيق الحديث المروي، ومعرفة لقبه:

صحيح – حسن – ضعيف – موضوع. ونقد السند هو في حقيقة الأمر خادم لمتن الحديث، ولولا خدم الحديث نفسه ما كان نقد السند، فالأمران متصلان لا منفصلان، وإن غابت هذه البدائه عن منكري السُّنَّة أجمعين.

نقد السند أولى:

وعلى نقيض ما يدعي منكرو السُّنَّة وأعداؤها، من رمى علماء الحديث بالقصور في الاهتمام بنقد السند دون نقد المتن، فإن علماء الحديث كانوا موفقين كل التوفيق من الله في ما صنعوا لأن نقد السند أولى من نقد المتن.

فقد عرفنا أن نقد السند موضوعه أخبار وسيرة الرواة، وهي أمور مخبوءة؛ لإنها أسرار حياتهم وسلوكياتهم، فذكر الرواي في الحديث لا يكشف عن سيرته، ولا يُحدث عن أخباره، فكان تتبع هذه السير والأخبار والأسرار ضرورياً في توثيق الحديث والسنن.

ونحن – الآن – إذا قرأنا حديثاً بسنده، وعرفنا أسماء الرواة لا تتضح لنا من رسم أسمائهم أخبارهم وسيرهم التي كانوا عليها وهم أحياء، وكفانا هذا كتب الجرح والتعديل، وما قاله علماء النقد في كل راوٍ منهم.

أما متن الحديث فهو يحمل في طياته أخباره ومعانيه، وفي استطاعة أهل العلم أن يعرفوا الحديث المقبول من الحديث المردود بمجرد النظر العابر في معناه ومضمونه، فمثلاً ما يروى في الموضوعات على أنه حديث مثل:

"النظر إلى الوجه الجميل عبادة" ندرك ببديهة النظر أنه مكذوب موضوع لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان سنده من أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر مثلاً.

فالمتن يحمل معه مقتضيات الحكم عليه دون السند، ولو كان علماء الحديث قد عكسوا فتوسعوا في نقد المتن واقتصدوا في نقد السند لكانوا فعلاً لئلاً للمؤاخذة واللوم.


نقد المتون:

جارينا منكري السُّنَّة على أن علماء الحديث تركوا النقد التفصيلي للمتون، بل إن الشائع عند الدارسين من غير منكري السُّنَّة هو هذا القول:

علماء الحديث لم ينقدوا المتون نقداً تفصيلياً، بل وضعو لها أمارات وعلامات كلية، يعرف بها المتن السليم من العليل.

لكننا نرى إضافة إلى هذا الفهم، أن علماء الحديث لهم عمل آخر في نقد المتون:

هو أن الأحاديث السليمة متونها يذكرونها دون إبداء أية ملاحظات عليها. وهذا معناه أن متون هذه الأحاديث بريئة من النقد والمؤاخذات. فهو نقد إيجابي صامت كما في البخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.

أما الأمارات والضوابط التي وضعوها لنقد المتون فهي موضوعة لغير الثقات من جامعي الأحاديث، أي للكتب التي تجمع الأحاديث بدون تمحيص. فهذه الكتب، التي لم تحظ من جامعيها بعناية فائقة، أو ما يروى في كتب التفسير والفقه – أحيانا – فإن هذه القواعد مفيدة لمن يطالع فيها حتى يسهل عليه معرفة ما ليس بحديث.

وبهذا تندفع هذه الشبهة التي هول من شأنها منكرو السنة. وقد ظهر لنا بكل وضوح أن ترك نقد المتن فرداً فرداً ليس معناه بطلان تلك المتون، أو شيوع الشك في صدقها. والصواب هو ما صنعه علماء الحديث، لا ما أخذه عليهم منكرو السُّنَّة الأغرار.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم