الشبهة الرابعة والعشرون : الاكتفاء بالقرآن عن السُّنَّة

الكاتب : د. عبد العظيم المعطني

من يتأمل في مجموع الشبهات التي أثارها منكرو السُّنَّة، يظهر له أنها قسمان مهما تعددت. وهذا التقسيم ناشيء بالنظر في الآثار التي رتبوها على كل شبهة، شبهة وإن كنا قد أشرنا في المدخل إنها ثلاثة أقسام.

 

ويظهر له – كذلك – أن أحد هذين القسمين هو الأصل الذي يبدأون به على افتراض نجاحه عندهم.

 

أما الآخر فهو بديل لذلك الأصل يركزون عليه إذا فشلوا في تحقيق الآثار المترتبة على القسم الأول.

 

يعني أنهم مصرون على أن لا يضعوا السلاح في وجه السُّنَّة أبداً مهما كانت الهزائم وخيبة الآمال.

 

فالقسم الأول يهدفون من روائه إلى محو السُّنَّة من الوجود ويقطعون الصلة بينهما وبين النبي – صلى الله عليه وسلم – تماماً، باعتبار أنها مكذوبة عليه، ومزورة؟!

 

والقسم الثاني – البديل – هو السلاح الدائم الشهر في وجه السُّنَّة إذا استعصى عليهم محوها والحكم عليها بالتزوير، أي أنهم يشهرون هذا السلاح في وجه السُّنَّة مع افتراض صحتها عندهم، واستمرار تمسك المسلمين بها.

 

وكأن لسان مقالهم ولسان حالهم يقولان للمسلمين:

 

إن هذه السُّنَّة الصحيحة النسبة للنبي ليست من الدين ولا المسلمون محتاجون إليها، وتسألهم: ما وجه استغناء المسلمين عنها؟

والجواب عندهم: القرآن وحده يكفي المسلمين في كل شئونهم سواء الشئون الدنيوية، والشئون الدينية.

 

فهذه الشبهة من أفراد القسم الثاني – البديل – أي التعامل مع السُّنَّة في حالة التسليم بصحة صدورها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تقدمت معهم خطوة أخرى فقلت لهم: وما دليلكم على أن القرآن وحده يغني المسلمين عن السُّنَّة؟

 

اسمعوك – بسرعة – قول الله عز وجل:

{ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ } (سورة الأنعام: 38).

ثم قوله تعالى مع شدة الحرص والتركيز عليه: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (سورة العنكبوت: 51).

 

وليس لهم بعد هاتين الآيتين من دليل.

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

ونقض هذه الشبهة يسير، وهو يقوم على محورين:

الأول: بيان خطأ الاستدلال بالآيتين على م أرادوه منهما.

الثاني: الواقع العملي في حياة المسلمين على مر العصور، وتطاول الدهور.

 

إن الاستدلال بالآية الأولى خطأ؛ لأن المراد من الكتاب فيها هو اللوح المحفوظ، فهو الكتاب الذي أحصى الله فيه ما كان، وما هو كائن، وما سيكون أبد الآبدين.

 

قال عز وجل في سورة "يونس": { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (آية: 61).

 

ولهذه الآية نظائر. فإذا كان المراد من الآية هو اللوح المحفوظ، وهو ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم سقط استدلالهم بالآية.

وحتى لو كان المراد من الكتاب فيها القرآن فلا دليل لهم في الآية على أن القرآن يغني عن السُّنَّة، لأن القرآن لم يفصل إلا قليلاً من الأحكام – كما سيأتي – ويكون معنى احتوائه على كل شيء:

 

الدلالات "الكلية" على أصول التشريع، لا أنه فصل جميع الأحكام في كل مجالات الحياة تفصيلاً شاملاً لكل ما يقع للناس في الحياة. ومن يدعي ذلك فهو أحمق جاهل، أو عنيد مكابر لا يستحق شرف المخاطبة هذا ما يتصل بخطأ استدلالهم بالآية الأولى { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ } (سورة الأنعام: 38).

 

أما خطأهم في الاستدلال بالآية الثانية { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } (سورة العنكبوت: 51) فبيانه يتوقف على ذكر الآية التي قبل هذه الآية، وهي قوله عز وجل: { وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } (سورة العنكبوت: 50).

 

القرآن يحكي – هنا – قول المشركين، الذين يتساءلون في ما بينهم ويقولون لو أن الله أنزل على محمد آيات من عنده.

 

قالوا هذا الكلام، وكان قد نزل قدر عظيم من القرآن سوراً وآيات، وأسمعهم النبي هذا القرآن، وكرره على مسامعهم مرات, وراعهم بيانه وأعجزتهم بلاغته، وهم قد وصفوه بالسحر في شدة تأثيره على القلوب والعقول والمشاعر.

 

ووصفوه بالشعر، وللشعر في دولتهم دولة، وفي حياتهم حياة. وهو صناعتهم التي عرفوا بها، ولم تكن لهم صناعة غيرها لقد جردوا القرآن من دلالاته "الإعجازية" وهم بها مقرون واعتبروه كأن لم يكن، واعتبروا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسولاً أو مدعي رسالة بلا معجزات؟!.

 

فأنزل الله عز وجل قوله المفحم الحكيم: { َوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ }.

 

أي: ألم يكن القرآن معجزة كافية لهم في التصديق برسالة الرسول، وهم قد تأكدوا من سموه فوق كلام أعقل العقلاء وأفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء، وأبين البيناء من الخلق أجمعين؟

 

فأنت ترى أن معن الآية في السماء وهم في أغوار الأرض عامهون – لقد نقلوا الآية من مقامها وحرفوا معناها عامدين – وتحريف المعاني لا يقل شناعة من تحريف الألفاظ، وبهذا سقط استدلالهم بالآيتين.

 

المحور الثاني: وهو الواقع العملي للأمة بالقرن والسُّنَّة معاً منذ صدر الإسلام حتى يوم الناس هذا.

 

الاكتفاء بالقرآن مستحيل:

 أي ورب السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، أن القول بالاكتفاء بالقرآن مستحيل.

 

القرآن لن يشمل على كبيرة وصغيرة مما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم.

 

بل إن السُّنَّة – رغم ما فيها من كثرة التفاصيل، لم تشتمل على كل صغيرة وكبيرة مما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم.

 

لذلك هدى الله الأمة من صدر الإسلام الأول، والقرون التي جاء بعده إلى ملء كل الفراغات المتروكة – قرآنا وسنة – لحكمة بوسائل أخرى وقت المطلوب، مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهي:

 

القياس، والإجماع، ثم الاستحسان الشرعي، والاستصحاب، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة عند المالكية والعرف والعادة، على اعتبارات متفاوتة عند الفقهاء فالحياة واسعة، والمستجدات فيها لم ولن تتوقف، فكان لابد من أن يملك التشريع الإسلامي أدوات فرعية مستمدة من أصلي التشريع الأول والثاني (الكتاب والسُّنَّة) لملاحقة الوقائع والأحداث المستجدة.

فمن الجهل والغباء حصر مصدر التشريع في القرآن وحده، نعم أنه أصل أصول التشريع. أما أنه يغني عن جميع الأصول والأدوات المستمدة منه، فهذا لا يقوله من عنده ذرة من علم وفهم.

 

إن في هذا دعوة إلى "تحنيط القرآن" وحرماناً للأمة من الانتفاع به، ومنكرو السُّنَّة يعلمون ذلك، ولكنهم يريدون أن يحلوا الأمة دار البوار، تحقيقاً لمطالع خصومها الألداء.

 

تعطيل أركان الإسلام العملية:

لولا السُّنَّة لتعطلت أربعة أركان الإسلام العملية، وهي: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج إلى بيت الله الحرام.

 

  • فليس في القرأن من أحكام الصلاة سوى تقرير وجوبها وحسن أدائها.

 

  • وليس في القرآن عن الزكاة إلا الأمر بأدائها وبيان الجهات الثماني (المصارف) التي تستفيد منها.

 

  • وليس في القرآن عن الصيام إلا بعض من أحكامه بعد بيان وجوبه على المكلفين.

 

  • وليس في القرآن عن الحج إلا طائفة من أحكامه.

 

أما أركان الصلاة وواجباتها وسننها وشروطها وعدد ركعات الفرض الواحد، وإفراد الركوع وتثنية السجود وكيفية كل منهما، والصلوات المفروضة والمسنونة والمندوبة، وكيفية القراءة فيها، والدخول فيها والخروج منها، إلخ، إلخ، فهذا ما لا وجود له في القرآن، وطريق معرفته السُّنَّة.

 

وأما ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، وشروط الزكاة ومقاديرها، إلخ، فهذا ما لا وجود له في القرآن، وطريق معرفته السُّنَّة.

 

وهذا يقال عن كل من الصيام والحج، فكيف تكتفي الأمة بالقرآن عن السُّنَّة، والسُّنَّة روح القرآن ومفاتيح فهمه والعمل به.

 

ونسأل منكري السُّنَّة: أين نجد صيغة الآذان في القرآن الكريم؟

وأين نجد زكاة عيد الفطر في القرآن الكريم؟

 

وأين نجد صيغة العقد الشرعي للزواج في القرآن الكريم؟

وأين نجد طريقة زكاة الأنعام لحل أكل لحمها في القرآن الكريم؟

 

إن آلاف الأحكام في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق لا وجود لها تفصيلاً في كتاب الله، وإن دل عليها "جملة" فكيف يمكن الاستغناء بالكتاب عن السُّنَّة يا "بهاليل" العصر؟

 

دفع مرفوض:

لمنكري السُّنَّة دفع لهذا الاعتراض الذي أوردناه عليهم في ادعائهم أن القرآن وحده يكفي الأمة حاجتها دون الافتقار إلى السُّنَّة.

 

وكان حاصل الاعتراض الذي أوردناه لإبطال دعواهم هذه أن أربعة أركان الإسلام العملية سوف تتعطل، وهي الصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج مع تكاليف أخرى كثيرة سوف تتوقف في حياة الأمة للجهل بأحكامها.

 

هذا الاعتراض القوي يدفعه منكرو السُّنَّة فيقولون:

 

هذه الأركان العملية يكفينا فيها محاكاة النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية أدائها، وهي سنن علمية منقولة إلينا بالتواتر.

 

فالصلاة مثلاً فيها هذا الأمر بمحاكاة تأدية رسول الله لها: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

 

والحج قال فيه: "خذوا عني مناسككم".

 

والجيل الذي عاصر الرسول حاكى الرسول كما رآه يصلي ويحج ونقل هذه المحاكاة إلى الجيل الذي بعده، وهكذا دواليك حتى وصلت المحاكاة إلى جيلنا، ويأخذها كل جيل عن الجيل الذي قبله حتة قيام الساعة؟

 

ويضيفون: أن كلامنا في السنن القولية، وليس في السنن العملية.

 

تفنيد هذا الدفع ونقضه:

وهذا الدفع مرفوض، مرفوض؛ لأن للسنن العملية سنناً قولية لا حصر لها، وهذه السُّنَّة القولية لا تُدرك من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويحج ويصوم ويزكي ومن أبرز ما يحتج به على منكري السُّنَّة الحديثان اللذان ذاكرهما، وهما:

"صلوا كما رأيتموني أصلي".

"خذوا عني مناسككم".

 

هذا الحديثان هما الأصل في "حجية السُّنَّة العملية الأول في وجوب محاكاة الصورة والكيفية، للصلاة التي صلاها النبي.

 

والثاني لأعماله وأقواله في الحج.

 

وهما – أعني الحديثين المذكورين – من السُّنَّة القولية لا من السُّنَّة العملية.

 

ومعنى هذا أن السُّنَّة القولية أصل للسُّنَّة العملية، فكيف إذن يستغنى عن أصل ثبتت به السُّنَّة العملية؟!

 

أعنى – مرة أخرى – أن الرسول صلى الله عليه وسلم – لو لم يقل "صلوا كما رأيتموني" ما ثبت شرعاً – وجوب محاكاة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

 

الفقه القولي:

هب أننا شاهدنا النبي يصلي صلاة العشاء من تكبيرة الإحرام إلى الخروج منها بالسلام. فهل هذه المشاهدة تميز لنا أركان الصلاة التي تبطل الصلاة بترك واحد منها، ثم سنن الصلاة، ثم مندوبات الصلاة وفضائلها.

 

هل كنا ندرك أن قراءة "أم الكتاب" فرض، وأن قراءة سورة قصيرة بعدها، أو آية سنة، لا تبطل الصلاة بتركها سهواً.

 

وما يدرينا أنه صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم ثلاثاً"، ويقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى ثلاثاً" ومن يدرينا أن السلام الأول على اليمين فرض والثاني على الشمال ليس فرضاً، أن لكل سنة عملية سنناً قولية، لا في الصلاة وحدها بل في كل التكاليف، وبهذا يندفع هذا الدفع الباطل.

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم