سَافِرُوا تَرْبَحُوا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَافِرُوا تَرْبَحُوا، وَصُومُوا تَصِحُّوا، واعزُوا تَغنَمُوا".
محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رسول معلم، وطبيب ملهم، وحكيم تفجرت من قلبه ينابيع الحكمة، وصاياه أصول للأخلاق والمثل العليا، وقواعد عامة للسلوك الرشيد، ومنهج للحياة الفاضلة في جميع مظاهرها.
وهذه الوصية واحدة من تلك الوصايا الجامعة النافعة التي من شأنها أن توضع موضع الاعتبار والتنفيذ.
ونحن ننظر فيها نظرات لنفقه من مراميه – بقدر طاقتنا البشرية – ما يبلغنا آمالنا في الدنيا والآخرة.
قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "سَافِرُوا تَرْبَحُوا" ترجمة موجزة لقوله تعالى: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (سورة النساء: 100).
أي: من يغادر محل إقامته إلى أرض الله الواسعة غازياً أو طالباً للعلم، أو ساعياً للرزق ونحو ذلك من المطالب المشروعة – فإنه سيجد في الأرض التي هاجر إليها خيراً يرغم به حساده، ومالاً وفيراً يقيم أوده، وعلماً نافعاً يقوم به خلقه، ويصلح به أمور دينه ودنياه.
ومن يخرج من بيته بنية الهجرة إلى الله تعالى ثم يدركه الموت فقد ثبت أجره عند الله – عز وجل – لأن الأعمال بالنيات.
والهجرة والسفر هنا بمعنى واحد، ويختلف الحكم في السفر باختلاف النية – وهي القصد المقترن بالفعل – وباختلاف الغاية – وهي التي من أجلها كان القصد – فالقصد يكون في أول العمل، والغاية تكون في آخره.
فأحياناً يكون السفر واجباً، وذلك لتأدية حجة الفريضة، وطلب العلم إذا لم يكن في البلد معلم، وطلب الرزق إذا ضاقت عليه سبل العيش في بلده.
ويكون السفر واجباً كذلك إذا خشى على نفسه الفتنة.
ويكون مستحباً إذا كان القصد منه طلب النظر لآيات الله الكونية، أو طلب العافية، فإن في السفر ترويحاً للنفس وتقوية للبدن، كما سيأتي بيانه.
ويكون مباحاً – فيما سوى ذلك.
ويكون حراماً إذا كان في معصية.
والأمر بالسفر في هذا الحديث ليس للوجوب مطلقاً، ولكنه للنصح والإرشاد والتوجيه والترغيب، وإنما يعتريه الوجوب باعتبار غايته كما أشرنا.
والسفر لفظ يطلق ويراد به الانتقال والتحول من بلد إلى بلد في مسافة تقصر فيها الصلاة، وهي مقدرة عند جمهور الفقهاء بنحو ثمانين كيلو متراً.
والهجرة كالسفر – كما قلنا – إلا أننا نلمح فيها معنى البعد الشاسع بين البلد التي يخرج منها والبلد التي يريد أن يرحل إليها، لما فيها من معنى الهجران، وهو البعد الذي لا يمكن الإنسان من العودة بيسر وسهولة.
وقد سمي السفر سفراً لأن الإنسان إذا خرج من بلده يكون سافراً أي ظاهراً تراه الأعين، من قولهم: أسفر الصبح. أي ظهر ووضح.
ثم إن الهجرة كما تطلق على الترك والتحول تطلق على الخصام وقطع الوصال، ومنه قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ" أي لا يحل له خصام وقطع حبال وده.
وقد علق النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الربح على السفر، مع أنه يحصل بالسفر وغيره، لأن السفر مظنة الربح الكثير والخير الوفير، كما جاء في رواية أخرى للحديث: "سافروا تيستغنوا"، أي سافرو لطلب الغنى، فالسين والتاء للطلب، أو: سافروا تجدوا الغنى، على أن السين والتاء للتوكيد.
والربح ضد الخسران، وهو دنيوي وأخروي، والنوعان متلازمان حيناً، ومنفصمان حيناً، فمن أراد الدنيا خسر الدنيا والآخرة، ومن أراد الآخرة ربحهما معاً، كما قال الشافعي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –.
ومن هذا يتبين لنا أن قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "سَافِرُوا تَرْبَحُوا" معناه: تربحوا في الدنيا والآخرة إن كان القصد من سفركم الطاعة.
أما إن كان القصد منه المعصية فلا ربح فيه مهما حصل المسافر من سفره من مال غيره من متاع الدنيا؛ لأنه لما أراد الدنيا وضرب صفحاً عن الآخرة خسر الدنيا والآخرة معاً، ما لم يتب من ذنبه، ويصلح من شأنه، ويجدد العهد مع ربه على السمع والطاعة في الحل والترحال، وفي السراء والضراء، والشدة والرخاء.
هذا، والربح الدنيوي أنواع كثيرة لا تحصى، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان، واختلاف الطالب والمطلوب، وتتجدد بحسب الحاجات التي تفرضها الظروف الحاضرة.
فإذا أردت أت تعرف الكثير من هذه الأنواع فاسأل كل ما يريد سفراً: لماذا تسافر؟، فإنك تجد الجواب يختلف باختلاف حال كل مسافر.
وقد تسمع من الأجوبة ما لم تكن سمعته من قبل.
ومهما حاول العلماء أن يضعوا أصولاً لأغراض الهجرة والسفر فإنهم لا يستطيعون أن يثبتوا من القواعد الكلية ما يندرج تحتها من الأغراض الجزئية.
ولكن يكفيهم أن يقولوا كما قال القرطبي واب العربي: الهجرة هجرتان: هجرة هرب وهجرة طلب.
فالأولى كالانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام خوفاً من الفتنة، والخروج من أرض البدعة خوفاً من الوقوع فيها، والخروج من أرض غلب فيها الحرام من أجل طلب الحلال في أرض أخرى، والخروج من أرض إلى أرض أصح منها.
هذه أمثلة لهجرة الهرب.
وأما هجرة الطلب: فهي إما طلب دين أو طلب دنيا، أو طلبهما معاً.
فأما طلب الدين فيتمثل في أخذ العبرة والعظة، وتأدية الحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله، وطلب المعاش وطلب العلم، وزيارة الإخوان، ونحو ذلك.
وأما طلب الدنيا فيتمثل في طلب اللهو واللعب، والتنزه غير البريء، وطلب المال من غير حاجة إليه ونحو ذلك من الأمور التي لا يقصد فيها وجه الله.
والأولى بالمسلم أن يبتغي بهجرته وجه الله تعالى حتى في المطالب الدنيوية، فإن الحياة تبنى على طلب الدين والدنيا معاً.
وقد بين الله لنا المنهج الذي نسلكه في طلب الدين والدنيا، وذلك من خلال قصة قارون، إذ نصحه قومه بنصيحة غالية لم يلق لها بالاً، ولم يُعر لها أي اهتمام.
قال تعالى: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (سورة القصص: 76-77).
فهذا المنهج كما تروى يقوم على:
1- ترك الغرور والعجب وحب الظهور والفخر.
فقد قالوا له: { لَا تَفْرَحْ } أي لا تغتر، فليس المراد النهي عن مجرد الفرح بدليل قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }.
والفرحين جمع فرح – بفتح الفاء وكسر الراء – وهو المغرور بنفسه، والمختال بماله ومظهره.
2- طلب الآخرة بالتنازل عن شيء مما أنعم الله به عليه.
3- طلب الرزق بالطرق المشروعة من غير إفراط ولا تفريط، فإن لكل امريء من الدنيا نصيب ينبغي أن يسعى لتحصيله، وإلا كان عاصياً لتقصيره في حق نفسه وحق من يعول، وتقصيره أيضاً في عمارة الأرض، وهو الهدف الذي خُلق الإنسان من أجله.
4- الإحسان في مقابل الإحسان، وهذا هو الشكر في أسمى معانيه.
5- الكف عن الظلم والإفساد في الأرض.
وهذا المنهج بأصوله الخمسة نحتاج فيه إلى عدة محاضرات، بل يحتاج إلى عدة مجلدات، ويكفينا ما ذكرناه هنا حتى لا يخرج بنا الشرح والتحليل عن هذه الوصية العظيمة.
والناس في اختلفوا في أمر السفر، فمنهم من يرى أن له فوائد كثيرة لا ينبغي أن يفوتها المرء على نفسه.
ومنهم من يرى أنه كثير العوائق والبوائق والموحشات وليس له من الفوائد ما يستحق الذكر، فأي الفريقين أقوم قيلاً وأهدى سبيلا؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال نذكر ما قاله كل من الفريق الأول والثاني، فنقول:
ذكر بعض الرواة أن الشافعي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قد حث على السفر ورغب فيه، وذكر فيه فوائد كثيرة مستدلاً على ذلك بما يراه الناس من مظاهر الطبع والطبيعة فقال مرشداً:
ما في المقام لذي عقل وذي أدب
من راحة فدع الأوطان وأغترب
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه
وأنصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده
إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست
والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة
لملها الناس من عجم ومن عرب
والتبر كالترب ملقى في أماكنه
والعنود في أرضه نوع من الحطب
فإن تغرب هذا عز مطلبه
وإن تغرب ذاك عز كالدهب
وقال صاحب النظرة المتشائمة منشداً، لا أدري هل هو الذي رد على الشافعي، أم الشافعي هو الذي رد عليه:
تقاعد عن الأوطان إن كنت طالباً
نجاة ففي الأسفار سبع عوائق
تشوق إخوان وفقد أحبه
وأعظمها يا صاح سكني الفنادق
وكثرة إبحاش وقلة مؤنس
وتبديد أموال وخيفة سارق
فإن قيل في الأسفار كسب معيشة
وعلوم وآداب وصحبة رافق
فقل كان ذا دهراً تقادم عصره
وأعقبه دهر شديد المضائق
فهذا مقالي والسلام كما بدا
وجرب ففي التجريب علم الحقائق
والشافعي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فقيه نابه، قد جرب الحياة وعركها، وأحب الأسفار، فكان حالاً مرتحلاً في الطلب العلم ونشره، لهذا كان قوله هو الصواب الذي لا معدل عنه؛ لموافقته الكتاب والسنة، كما تقدم بيانه.
فإلى أين يذهب ذاك المتشائم الذي ينظر إلى العيوب التي من الممكن تلاشيها والتغلب عليها، وينسى الفوائد التي نص الشافعي على بعضها وترك البعض الآخر لمن جرب الأسفار وأفاد منها!!
ففي الأسفار الربح والصحة، وهما نعمتان عظيمتان، جامعتان لسائر النعم بعد الإيمان.
والربح كلمة جامعة لما يحصل عليه المرء من الرزق الواسع والعلم الغزير.
والصحة تاج على رءوس الأصحاء، لا يعرفها إلا من فقدها، وهي – أيضاً – كلمة جامعة لعافية الأبدان والعقول والأرواح.
فالمسافر يجد من خلال سفره ما يروح به عن نفسه، ويجدد به نشاطه، ويغذي به فكره، ويزداد به إيماناً مع إيمانه؛ لكثرة ما يرى من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته عز وجل، مع ما يحصل عليه من رزق واسع وخير وفير، يحفظ به دينه وعرضه، ويمتع به نفسه بالطيبات التي يستطيع أن يحصل عليها بما لديه من مال.
ولا شك أن من سافر إلى حيث شاء الله أن يسافر يكون أفضل حالاً من المقيم بدرجات في الخبرة والمعرفة، والثقافة، والعلم بأحوال البيئات والمجتمعات المتخضرة وغير المتحضرة.
ولهذا حث الله – عز وجل – على السير في الأرض والنظر فيما تحتويه من آثار جلية، وأسرار خفية، فقال – عز وجل - : { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } (سورة الأنعام:11).
وقال عز من قائل: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (سورة الملك: 15).
وبعد هذا التطواف نكون قد عرفنا معنى قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "سَافِرُوا تَرْبَحُوا" أو "ترزقوا" كما في رواية، أو "تَصِحُوا" كما في رواية أخرى.
ووقفنا على مراميها، وأدركنا بوضوح مدى ما تنطوي عليه هذه الوصية من توجيهات حكيمة، ينبغي أن يضعها كل مسلم موضع التنفيذ؛ فالحياة حركة، والحركة في موضع واحد كسل وخمول.
وقد استعاذ النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من الخمول والكسل، وأمر أصحابه أن يتعوذوا منهمان ومما يتصل بهما، كما مر بنا في حديث: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ".
وأما قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَصُومُوا تَصِحُّوا".
فإنه قول قد يرهن به على أنه طبيب الأطباء بلا منازع، يعرف كيف يشخص الداء ويصف الدواء.
وقد ثبت علمياً أن الصوم خير علاج لأمراض القلب والسكر وضغط الدم والقرحة والكلي وغيرها.
ولا تزال البحوث ماضية في طريقها إلى معرفة الكثير والكثير من فوائد الصوم الجسدية والروحية.
فالمعدة بيت الداء كما نعلم، :"وَمَا مَلَأ ابن آدَم وعَاءً شرا فِي بَطنه" كما جاء في الحديث الصحيح. ولا شك أن الصوم يعطي المعدة الفرصة لالتقاط الأنفاس – إن صح التعبير – ويريحها من عناء ازدحامها بالطعام يوماً كاملاً من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ويتيح لسائر الأعضاء الأخرى التي تتأثر بالتخمة أن تستعيد نشاطها وتجدد قدرتها على ممارسة وظائفها باتزان.
على أن كثرة الصوم تكسر حدة الشهوة لمن لا يجد القدرة على الزواج كما عرفنا من قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في وصية سابقة: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فعليه بِالصَّوْمَ فَإِنَّه لَهُ وِجَاءٌ".
والوجاء كناية عن الإضعاف من حدة الشهوة، وأصله الإخصاء.
والأمر بالصوم يدل على الوجوب تارة وعلى الاستحباب تارة أخرى.
فهو واجب على كل مكلف في شهر رمضان، ويجب عليه إن نذره.
ويستحب أن يصوم المسلم في كل شهر ثلاثة أيام، وأن يصوم يوم عاشوراء، ويوم عرفة، وأن يكثر الصوم في شهر شعبان وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه.
ولا يخفى على اللبيب ما في هذا الأمر من الترغيب في كثرة الصوم؛ فإن الشفاء والعافية إنما تكون بتكراره في الأسبوع مرة أو مرتين، أو في الشهر مرة أو مرتين، كل بحسب حاله وطاقته.
والمراد بالصحة في الحديث الصحة الجسدية والروحية والعقلية كما تقدم بيانه في شرح قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "سَافِرُوا تَصحُوا".
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "واغزوا تغنموا" حث وترغيب على الجهاد في سبيل الله، ومعنى: "تغنموا" تصيبوا من الغنائم في الدنيا، وتفوزوا بحسن الثواب في الآخرة، فغنيمة الدنيا أجر عاجل، وغنيمة الآخرة ثواب آجل.
قال تعالى في جزاء المقاتلين في سبيل الله: { فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (سورة آل عمران: 148).
والغازي في سبيل الله إنما يغزو مخلصاً لله لا يرجو من وراء ذلك نفعاً دنيوياً ولكن يأتي هذا النفع تبعاً من غير قصد.
وهذا مبلغ الظن بالأخيار من الصحابة والتابعين، وإذا كان القصد الأول هو إعلاء كلمة الله – عز وجل – والغنيمة مقصداً تابعاً للمقصد الأول فلا بأس فالعبرة بالمقصد الأصلي، كما قال تعالى لمن حج واعتمر: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } (سورة البقرة: 198) أي ليس عليكم ذنب أن تشتغلوا أثناء الحج والعمرة بالتجارة ونحوها إذا احتجتم إلى ذلك، بشرط أن تؤدوا المناسك على وجهها، فهذه رخصة من الله – تبارك وتعالى – لمن حج واعتمر ولكل من غزا في سبيل الله وقصده الأول: إعلاء كلمة الله.
وفي رواية: "وسافروا تستغنوا"، فما معنى تستغنوا؟
أقول: معناه تحصلون من الغزو على ما يغنيكم الله به من فضله عن الناس، ويحتمل أن يكون المعنى تجدون الغنى في قلوبكم وإن لم تغنموا شيئاً من الأموال.
ويحتمل أن يكون الاستغناء بمعنى العزة، أي اغزوا لطلب العزة فمن جاهد في سبيل الله أعزه الله ونصره، وكل هذه المعاني مرادة لا تنافي بينها.
وقد سبق الكلام على الجهاد وفضله في مواضع من هذا الكتاب، والحمد لله رب العالمين.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.
المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم