اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِيَدِهِ عُودٌ، فَنَكَتَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:
"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ".
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟
قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }.
الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله عز وجل، فمن لم يؤمن بقضاء الله وقدره لا يكون مؤمناً بوحدانيته عز وجل، ولا مقراً بأوصافه الكمالية.
وذلك لأن القضاء والقدر من الأمور الغيبية التي اختص الله بعلمها ولم يجعل لأحد معه فيها مجال.
وقضاء الله: حكمه العدل في كل ما خلق وبرأ وذرأ.
وقدره: هو علمه بما كان وما يكون وما هو كائن، فهو جل شأنه قدر ما قدر بعلمه المحيط، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا يعلم أحد ما قدره الله عليه، ولا ينبغي له أن يخوض في أمر القضاء والقدر؛ فإن الخوض فيه مهلكة فضلاً عن أن العقول لا تدرك من كنههما شيئاً.
وفي هذا الحديث يضع النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الأسس التي عليها يدور الحوار حول القضاء والقدر إن كان ولا بد من الحوار.
فيقول عليه الصلاة والسلام: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ".
أي إن الله – عز وجل – قد فرغ من أمر الخلق قبل أن يخلقهم، فما قدره عليهم فهو نافذ لا محالة فيهم – رفعت الأقلام وجفت الصحف.
فالسعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "فَوَالله الَّذِي لَا إَله غَيره إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".
في الصحيحين عن سهل بن سعد – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ وَفِي أَصْحَابهِ ِرَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذة إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ فَأتبعه فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وقَصَ عَليه القصة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: - "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ بِعَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
وزاد البخاري في رواية : "وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ".
فالخواتيم كما قال العارفون: ميراث سابق، وكل ذلك سبق في الكتاب السابق.
وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم يقولون: بماذا يختم لنا؟
وقلوب المقربين معلقة بالسوابق يقولون: ماذا سبق لنا؟
ولما سمع على أصحابه – رضوان الله عليهم – قول النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ" قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟" أي أفلا نعتمد على القدر ونترك العمل. وكأنهم قد أصيبوا بشيء من الذهول أو الإحباط، فأرادوا أن يتثبتوا من الأمر ويقفوا على جليته على النحو الذي يجمعون فيه بين العمل وما يجري به القدر، وهم أصحاب القلوب العامرة.
ولو غيرهم قال هذا لاتهم في إيمانه بالله وبقضائه وقدره.
إنهم يستفسرون ولا يعترضون، شأنهم في ذلك شأن الملائكة الذين قالوا كما حكي الله عنهم:
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } (سورة البقرة: 30).
إنهم إذا يعبرون بهذا السؤال عما يجيش في نفوسهم من الحيرة في التوفيق بين القدر والتكاليف الشرعية لكي يجدوا عند خير البرية – صلوات الله وسلامه عليه – جواباً ناجعاً يشفي صدورهم من هذا القلق العارض الذي لم يصحبه شك ولا شبهة.
فيجيبهم نبيهم – صلوات الله وسلامه عليه – بقوله: "لَا، اعْمَلُوا وَلَا تَتَّكِلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } (سورة الليل: 5-10).
نعم، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أي مهيأ وموجه ومسخر بالإرادة العليا إلى ما خلق له من جنة أو نار.
وما على العبد إلا أن يأخذ بالأسباب التي توصله إلى الجنة، ويدع أمر القضاء والقدر إلى من قضى وقدر، ولا يلق بالاً للشبهات التي يوردها الشيطان على قلبه، فإذا خطرت له شبهة، دفعها بقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" وما علي إلا أن أبدأ الطريق وأسعى نحو فعل الخيرات ثم أدع الباقي لله، فما شاء فعل.
وعلى العبد أن يسعى وليس عليه تحصيل المطالب، واعلم أيها الأخ المسلم أن الأسباب بيد الله عز وجل، فمن شاء سأل الله أن يوفقه للأخذ بها بعد أن يعرفها له، فإن من دعاه أجابه ومن سأله أعطاه.
يقول الله عز وجل: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } (سورة محمد:17)
ويقول جل شأنه: { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } (سورة مريم: 76).
ومعنى اهتدوا: طلبوا الهدى.
وللإنسان مشيئة حرة في اختيار الهدى أو الضلال وإلا ما صح التكليف.
قال تعالى: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } (سورة الكهف: 29).
وهذ لا يتنافى مع قوله تعالى: { يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (سورة المدثر: 31).
فهذا النص معناه: أن إضلال الله لشخص ما لأنه هو الذي آثر الضلال على الهدى، فأقره الله على مراده وتمم له ما يبغي لنفسه.
وأن معنى قوله جل شأنه: { يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ } لا يعدو قوله: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ } (سورة البقرة: 26). أي الذين استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة.
وكذلك الحال في قوله تعالى: { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (سورة المدثر: 31) أي من شاء أن يهديه الله هداه الله، فالإضلال والهدى بيده، فمن أراد واحداً منهما سعى إليه.
ولهذا تلا النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذه الآيات التي في سورة الليل.
فقوله جلا وعلا: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } يدل بوضوح تام على أن للإنسان مشيئة حرة متصلة بمشيئة الله عز وجل بمعنى أنه لا يقع في ملكه ما لا يريد، فعلى العبد أن يعطي من نفسه إشارة البدء في السير إلى الله العلي القدير متسلحاً بالتقوى والطمع في الحسنى وهي الجنة، فإنه لا يرجو الجنة من لا يعمل لها:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
وكذا قوله جل وعلا: { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } توكيد لمشيئة العبد في اختيار الطريق إلى جهنم بأفعاله المذمومة.
إن القدر مرآة تعكس أفعال الإنسان كلها بما فيها من حركات وسكنات وأحوال ومتغيرات مفاجئة وغير مفاجئة، وتريه بوضوح ما هو عليه من سعادة أو شقاوة.
فإذا نظر الرجل إلى المرآة وهو عابس الوجه مقطب الجبين رأى نفسه كذلك، فهل يلوم المرآة في ذلك؟
وإذا نظر إليها وهو مبتسم مبسوط الأسارير رأى نفسه كذلك، فمن أراد الهدى فليطلبه منه، ومن استحب العمى على الهدى فلا يلومن إلا نفسه.
وإرادة العبد مع إرادة الله محدودة في إطار قدرته المحدودة، فهو لا يستطيع بإرادته أن يخرج عن إرادة خالقه ومولاه، ونسبة الإرادة خالقه ومولاه، ونسبة الإرادة إليه في الحقيقة نسبة مجازية، بمعنى أن إرادته تتمثل في الطلب، فهو إن شاء طلب الهدى من الله، وإن شاء لم يطلب.
وقد وعد الله من طلب الهدى أن يهديه، وتوعد من طلب الضلال أن يضله.
ومثل إرادة العبد مع إرادة الله تبارك وتعالى كمثل الفلاح يحرث الأرض ويبذر البذور ويسقيها، وهنا يكون قد فعل ما عليه، ثم ينتظر الإنبات، فمن الذي ينبت الحبة والزرعة؟ أنه الله عز وجل.
ولكن مع ذلك يقال للفلاح زارع، ويكون هذا القول صادقاً باعتبار إرادته وفعله، بينما الزارع في الحقيقة هو الله.
{ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } (سورة الواقعة: 63-65).
فللإنسان في سعيه مثل ما للفلاح في زرعه، إنه مجرد سبب، وإن إرادته من إرادة الله.
فازرع عمرك إن شئت خيرا؛ فإن يد القدر ستنميه لك حتى تكون الذرة من العمل الصالح كجبل أحد، بل أرفع من ذلك بكثير.
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } (سورة النساء: 40)
أو ازرع عمرك إن شئت شراً، فإن يد القدر ستجازيك بالعدل، السيئة بمثلها، فالجزاء على الخير من باب الفضل، والمجازاة على الشر من باب العدل.
{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (سورة التوبة: 105).
ومن هنا يتبين لنا خطأ من يعتذر بالقدر عندما يعاقب على فعل المعاصي فيقول بكل تبجح: قدر الله علي ذلك، فما حيلتي في ذلك، ولو شاء الله لهداني.
هذا البائس اليائس المخبول هل علم ما قدره الله عليه حتى يتعذر به.
إن تجاهل الإنسان بما زوده الله به من قوة وتفكير وما ذرأ في طبيعته من استعداد للرفعة والضعة، وما وهبه من حرية بتوجه بها إلى الخير أو الشر دون أي ضغط أو ظلم، إن ذلك التجاهل لا ينقص فتيلا من مسئوليته الملقاه على عاتقه مهما صاحب ذلك من مكابرة وجدال.
إن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قد رفض الاعتذار بالقدر والتعلل به في فعل المعاصي أو ترك الطاعات؛ لأن شريعته الغراء ذات منهج واقعي لا يتجاهل الأسباب ولا يعتمد عليها اعتماداً كلياً في وقوع المسببات.
عن علي بن أبي طالب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – طرقه وفاطمة ليلاً فقال: "ألا تصليان؟"
فقلت يا رسول الله: أنفسن بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا.
فانصرف رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حين قلت ذلك ولم يرجع شيئاً لشدة استغرابه، ثم سمعته يقول وهو مول يضرب فخذه بيده { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } (سورة الكهف: 54).
أي أن الجدل جبلة فيه، وهو من خصاله المذمومة التي تظهر في كثير من أقواله.
فهو من طبعه الشك في كل شيء، والشك يؤدي به إلى الجدل، والجدل يؤدي به إلى مزيد من الشبهات، وكثرة الشبهات تميت القلب، وإذا مات القلب مات صاحبه وهو حي، فانظر كيف يؤدي الجدل بصاحبه إلى التهلكة إذا ما طاوعه واتخذه ديدنه في كل ما يخطر له أو يعرض عليه.
إن الجدل خصومة مع النفس، وخصومة مع الناس، كما يفهم من لفظه، فهو مأخوذ من قولهم: جدلت الحبل، أي فتلته وأحكمت عقده.
فالمجادل يعقد الأمور يجدله العقيم، ويثير الشبهات ويبعث الفتن من كوامنها.
وربما يؤدي إلى نزاع متواصل وشقاق عنيف، لا تهدأ تورته زمناً طويلاً.
ونحن قد عانينا كثيراً من ويلاته، كما عانى من سبقنا من أولئك الذين تكلموا في القدر والجبر، وخاضوا في ذات الله وصفاته وأفعاله بقصد الوصول إلى الحقيقة، فما ازدادوا منها بالجدل إلا بعداً، مع أنها واضحة المعالم لا يحتاج الناس في إدراكها إلى عشر معشار ما بذلوه في طلبها.
إنهم عقدوا العقيدة التي انعقد القلب عليها بالفطرة, ولوثوها بشبهاتهم المريبة ووساوسهم الشيطانية، ومرائهم فيما لا مراء فيه.
وما كان أغناهم عن ذلك وأغنانا لو سلكوا مسلك القرآن الكريم والسنة المطهرة في عرض الحقائق العقدية من غير تكلف ولا اعتساف.
إن الشيطان قد لعب برءوس فريق من الناس وأتاهم من حيث لا يشعرون، واغتنم مواطن الضعف فيهم فلبس عليهم دينهم، وصدهم عن السبيل فضلوا وأضلوا.
ولنا – إن شاء الله تعالى – وقفة أخرى في وصية أخرى أمام الجدل وخطره وفي الفرق بينه وبين الحوار البناء، فإنه موضوع جدير بالبحث والدراسة من أجل أن نتقي خطره، وأن نأخذ منه بالقدر الذي وصف لنا في الكتاب والسنة.
وخلاصة ما أفدناه من هذا الحديث سبعة أمور رئيسية:
الأمر الأول: فهم معنى القدر فهماً صحيحاً، ووجوب الإيمان به والرضا بما فيه من خير وشر، وحلو ومر.
الأمر الثاني: اجتناب الحكم على إنسان بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار لمجرد أن يرى أنه يعمل بعمل أهل الجنة أو بعمل أهل النار، فإن علم ذلك إلى الله وحده عز وجل.
والحكم بهذا أو بذاك تقول على الله بغير علم، وهو إثم كبير.
قال تعالى في سورة الأعراف: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (آية: 33).
وقال جل شأنه: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } (سورة النجم: 32).
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في النهي عن القول بأن فلاناً من أهل الجنة وفلاناً من أهل النار، سيأتي ذكرها في وصية أخرى إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: النهي عن الاعتذار بالقدر عند ارتكاب الذنب أو بعده.
وقيل: إن الاعتذار بالقدر عند التوبة جائز، وأرى أنه مكروه؛ لما فيه من إساءة الأدب مع الله جل شأنه.
الأمر الرابع: ألا يغتر العامل بعمله ولا ييأس المسيء من رحمة الله عز وجل، فهذه الوصية تفضي على دائين هما من أكبر الأدواء بعد الكفر: الغرور واليأس.
وما أدراك ما الغرور! إنه محبط للعمل، مذهب لثمرات الإيمان، مضيع لأسباب النصروالتوفيق.
فالمغرور يعاني من العجب المتكلف والكبر المزيف والرياء القتال، ويصاب بحمى حب الظهور، فيموت في مكانه وهو حي يرزق، لا يبالي به الناس، ولا يهتمون بشأنه، ولا يجد منهم إلا الملامة والبغض والإعراض والسلبية.
ومن تكبرعلى الناس ذل، ومن أعجب برأيه ضل.
وانظر إلى المسلمين في غزوة حنين كيف هزموا وهم أثنا عشر ألف مقاتل لما قال قائلهم: لن نعلب اليوم من قلة، فكانت هزيمتهم درساً لهم ولنا، والقرآن كله دروس منهجية واقعية مليئة بالعبر.
{ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } (سورة التوبة: 25-26)
وما أدراك ما اليأس، إنه أشد فتكاً بالإنسان من الغرور، إنه أخو الكفر أو هو نفسه.
{ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (سورة يوسف: 87).
الأمر الخامس: الاهتمام بإصلاح النفس وتقويمها دون نظر إلى ما يجري به القدر، فإن القدر هو علم الله، وعلم الله لا يحملنا على المعصية ولا ينهانا عن الطاعة.
واعتبر نفسك أمام مرآة متبسماً مبسوط الأسارير، راجياً عفو الله تبارك وتعالى، طامعاً في رحمته، آخذاً بالأسباب بقدر طاقتك. وبالله توفيقك.
الأمر السادس: أن البشر جنس محكوم ومختار في آن واحد.
فهو محكوم بالإمكانات التي في كيانه والملابسات التي من حوله ومختار في موقفه من هذه وتلك، وأننا لا نُسأل أبداً عما لا إرادة لنا فيه، ولكننا نسأل يقيناً عما نملك فيه حرية الاختيار.
فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك مادمنا نفوض الأمر إلى الله، ونعتقد اعتقاداً جازماً أن الحق لله في تعذيبنا وإثابتنا.
فإن يعذبنا فذاك بمحض عدله، وإن يثبتا فذاك بمحض فضله.
الأمر السابع: أن القول بالجبر هدم للعقيدة والشريعة معاً وتعطيل لأسباب الحياة كلها.
فالجبرية قوم ينسبون إلى الله الظلم من حيث يريدون نفيه، فهم الذين يقولون: العبد مسلوب الإرادة في شأنه كله، لا يهتدي إلا إذا هداه الله، وهو لا يخرج عن قدر الله في شيء، وأنه مهما أتى من أعمال صالحة فلن يدخل الجنة بسببها، وأنه مسير في كل شيء، وليس مخيراً في شيء.
(والواقع – كما قال الشيخ محمد الغزالي – أن عقيدة الجبر تطويح بالوحي كله، وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة، بل هي تكذيب لله والمرسلين قاطبة.
ثم قال – رحمه الله – إن إرادة الله مبثوثة في كل شيء ولو قهرتنا على عمل ما حوسبنا، إننا نحاسب على ما قدمت أيدينا، ولن نستطيع شرح العلاقة بين إرادة الله المحيطة، وبين الحرية المتاحة لنا في الاتجاه إلى اليمين أو الشمال...
وتصيد الشبهات للقرار من المسئولية لا يجدي... لكننا مهما نوهنا بالإرادة الإنسانية فلا ننسى أننا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر، وصعود وهبوط، والسفينة تحكمها الأمواج ولا تحكم الأمواج.
ويعني هذا أن نلزن موقفاً محدداً بإزاء الأوضاع المتغيرة التي تمر بنا، هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.
أما الأوضاع التي تكتنفنا فليست من صنعنا، ومنها يكون الاختيار الذي بيت في مصيرنا). ا. هـ.
والإنسان مسير ومخير – كما أشرنا من قبل.
فهو مسير فيما لا يملك دفعه، ومخير فيما يملك فعله وتركه، فهو من أجل ذلك يحاسب فيثاب أو يعاقب.
وعلى المسلم أن يسلم أمره لله، ويرضي بقضائه وقدره، ويعمل من الصالحات ما وسعه العمل، ثم يرجو الثواب من الله وحده بفضله ورحمته.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم