أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع - الجزء الثالث

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل

ثانيا: اتباع الجنائز:

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عليها فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ".

وفي رواية البخاري: "مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".

وروى مسلم في صحيحه عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنهما – أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ يَقُول أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا وَاتبعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُد،ٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ" فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ – رضي الله عنها - يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالَتْ وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ، فَقَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ".

ولا شك أن تشييع الجنازة يذكر بالآخرة، ويزهد في الدنيا، ويدفع إلى العمل الصالح والتخفف من المعاصي، وفيه أيضا طمأنية وسكينة وانشراح صدر يجد ذلك من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إيماناً قوياً.

ثالثا: تشميت العاطس فهو سنة من آكد السنن، وقيل هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

ولا يكون كذلك إلا لمن حمد الله – عز وجل – أما إذا لم يحمد العاطس ربه – تبارك وتعالى – فلا يسن تشميته.

فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك – رضي الله عنه.. قال: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، هَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ".

وكذلك الكافر لا يجب تشميته ولا يسن؛ لأنه لا يستحق الدعاء له بالرحمة، ولكن يجوز أن يقال له ولأمثاله: يهديكم الله، ونحو ذلك.

أخرج أبو داود – وصححه الحاكم – من حديث أبي موسى الأشعري قال: كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم".

ويشمت العاطس مرتين أو ثلاثة، فإن عطس الرابعة قيل له: أمن مزكوم ونحو ذلك.

وروى مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وعطس عنده رجل، فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألرجل مزكوم؟".

وهناك أمور أخرى لا يسن التشميت فيها، منها: أن يكون العاطس على الخلاء، أو من سمع عطاسه، فإنه لا يشمته إلا بعد أن يفرغ كل منهما، بأن يقول العاطس بعد فراغه: الحمد لله، فيقول له أخوه: يرحمك الله.

ومنها إذا كان الخطيب على المنبر، فإن أخاه لا يشمته إلا بعد الفراغ من الخطبة.

* * *

رابعا: إجابة الداعي إلى وليمة أو عقيقة ونحوهما فإن من العلماء ممن أوجبها بشرط ألا يكون فيها محرم، ومنهم من قال هي سنة من السنن، بشرط أن يكون وقته يسمح بذلك، وإلا قدم اعتذاراً مهذباً، ولا ينبغي أن يعد بالحضور وهو لا يريده، فإنه بذلك يكون مخلفاً للوعد، متسبباً في قطيعة الداعي له وغضبه منه، وخلف الوعد كما تعلم علامة من علامات النفاق.

ومن العلماء من يرى أن إجابة الداعي فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

والراجح عندي – والله أعلم – أن إجابة الدعوة واجبة ما لم يكن فيها ما يخالف الشرع ولم يكن هناك عذر.

لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا".

ولما رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ".

* * *


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم