الشبهة الرابعة عشرة : نُدرة الاستدلال بالحديث عن أبي حنيفة؟!

الكاتب : د. عبد العظيم المطعني

الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، أول الأئمة الأربعة الكبار، أصحاب المذاهب الفقهية: مالك، والشافعي، وأحمد رضي الله عنهم.

 

ولد بالكوفة عام (80هـ) وتوفي ببغداد عام (150هـ) فهو رائد الفقه الإسلامي المذهبي.

 

وكان هذا الإمام العظيم له خصوم سياسيون، هم الأمويون والعباسيون وكان له هو مواقف حازمة معهم من كثرة نقده لهم، وبخاصة حول بعض الأمراء الأمويين، وقد رفض الإمام أبو حنيفة منصب القضاء حين عرضوه عليه، واعتذر بأنه لا يصلح له، كما كان يرفض هداياهم، ويظهر تعففه عنها.

 

وإعمالاً بمبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان رضي الله عنه ينقد في مجالسه العلمية الأحكام التي يصدرها بعض القضاة خطأ، أو فيها شيء من الخطأ.

 

ومن أشهر مواقفه في هذا المجال نقده لقاضي القضاة ابن أبي ليلى في حكم جلد نفذه خطأ.

 

والقصة بتمامها: أن امرأة مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزانيين فأقام ابن أبي ليلى عليها الحد في المسجد، وجلدها وهي قائمة. وجلدها مائة وستين جلدة؛ لأنها قذفت أبا الرجل وأمه. فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ ابن أبي ليلة في هذه الواقعة في ستة مواضع:

 

  • أقام الحد في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد.
  • وضربها وهي قائمة، والنساء يضربن في الحدود قاعدات.
  • وأقام عليها حدين، أحدهما للأب، والآخر للأم، ولو أن رجلاً قذف جماعة فليس عليه إلا حد واحد.

 

  • وجمع بين حدين في مجلس واحد، والحدود لا يجمع بينها حتى يجف السابق منها.

 

  • وأقام الحد والمقذوف غائب، ولم يحضر ولك يدع (يرفع الدعوى).

 

  • · وأقام الحد على مجنونة، والجنون يرفع المسئولية. هذه المواقف الجادة أكثرت من شدة الخصومة على الإمام أبي حنيفة وأشاع عنه خصومه، وهو حي، أنه يرفض الاستدلال بالحديث النبوي، ويفتى في المسائل التي لم يجد لها دليلاً في القرآن، يفتي فيها برأيه ولا يعمل فيها بسنو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وقد تصدى الإمام أبو حنيفة لهذه الافتراءات التي روجها خصومه ضده.

 

ومنكرو السُّنَّة وجدوا هذه الشبهة جاهزة، فتلقفوها كما تتلقف "الجلالة" القاذورات من أكوام القمامة ثم أخذوا يعجنون منها ويخبزون، ويبالغون فيها ويضيفون زعموا أن أبا حنيفة لم يكن يقبل من السُّنَّة إلا سبعة عشر حديثاً وأن فقهه متأثر بالثقافة الفارسية الوثنية، وهو فارسي الأصل، والحنين إلى الأصل غريزة مركوزة في طباع الناس، والهدف من هذه اللجاجة الإيحاء إلى العامة بأن السُّنَّة لا يثق في صحة رواياتها الإمام أبو حنيفة، وهو من هو في الإمامة والريادة والفقه. فمن الضلال إذن اعتبار السُّنَّة مصدراً للتشريع في الإسلام؟!

 

تفنيد هذه الشبهة ونقضها:

إن فيما تقدم جانباً كبيراً في تفنيد هذه الشبهة ونقضها فقد عاش الإمام، وهو عالم، أكثر من ثلاثين سنة في ظل الدولة الأموية، وثماني عشرة سنة في ظل الدولة العباسية، وقد ضيق عليه الأمويون الخناق ففر من دمشق عاصمة دولتهم إلى مكة المكرمة، ثم عاد إلى بغداد لما آل الأمر إلى بني العباس ولكن تمسكه بالحق، والانتصار له أنشأ بينه وبين أمراء الدولة العباسية خصومة جديدة، إلى درجة أن منعوه من الفتوى ودرس العلم، وزجوا به إلى السجن في آخريات حياته ولم يجد خصوم أبي حنيفة من السياسيين والقضاة عيباً يسوئون به سمعته سوى أن يفتروا عليه بإعراضه عن السُّنَّة وإحلال الرأي محلها.

 

وقد دافع الإمام عن نفسه, ورد على ادعاءات خصومه القدماء ردوداً مفحمة سجلتها الرواية الأمينة بكل إخلاص وصدق، قال الإمام رحمه الله: "كذب والله وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس – يعني الرأي – على النص – يعني الحديث – وهل يحتاج بعد النص إلى قياس"؟ (ينظر الميزان للشعراني: 51).

 

وقال: "نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسُّنَّة، أو أقضية الصحابة. فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به" (نفس المصدر السابق) هذا كلام إمام يقدر السُّنَّة حق قدرها، ويجعلها تالية للقرآن في الاستدلال، وإن ادعى خصومه عليه وأكثروا وكان يقول: "إنا نأخذ أولاً بكتاب الله، ثم السُّنَّة، ثم بأقضية الصحابة، ونعمل بما اتفقوا عليه، فإن اختلفوا قسنا حكماً على حكم، بجامع العلة بين المسألتين، حتى يتضح المعنى".

 

وكان يقول: "ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، بأبي وأمي – أي أفدي رسول الله بأبي وأمي – وليس لنا مخالفته, وما جاء عن أصحابه تخيرنا. وما جاء عن غيرهم – يعني التابعين – فهم رجال ونحن رجال".

 

وفي رواية أخرى: "زاحمناهم" يعني: لنا حق إبداء الرأي في المسألة معهم.

 

إذن، فما الذي يريده منكرو السُّنَّة من الإمام أبي حنيفة حتى يقلعوا عن الافتراء عليه، ويعرضوا عن اتخاذه منبع شبهة للطعن في سنة خاتم الأنبياء والمرسلين؟!

 

إن الإمام أبا حنيفة لم يختلف عن بقية الأئمة الكبار أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة.

 

 

فأصول مذهبه هي أصول مذاهبهم المتفق عليها بينهم، وهي على الترتيب:

الكتاب – السُّنَّة – القياس – الإجماع. فعلام الإساءة إلى هذا الإمام العظيم؟ وكيف يتخذ منه الضالون المضلون قدوة لهم في الإساءة إلى سنة رسول الله الكريم؟!.

 

وقد فاتهم أن أحاديث رسول الله لم تكن قد جمعت جمعاً موسعاً مدروساً في حياة أبي حنيفة، فكان رضي الله عنه إن أعرض عن اعتماد شيء من الأحاديث فإنه يريد التثبت والتأكيد من صحته، لا أنه يرفض السُّنَّة رفضاً مطلقاً.

 

وقد جهل هؤلاء الزنادقة أن لأبي حنيفة مسنداً في الحديث النبوي، جمع فيه أكثر من خمسمائة حديث، وهو مطبوع متداول، ولكن العناد يصيب أهله بعمي حالك، وإن كانوا يبصرون.

*     *     *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم