الرضاعة إلى الحولين والفطام

الكاتب : الشيخ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد

إن الإسلام حين ربط الرجل والمرأة برباط الزوجية، وجمعهما في مستقر واحد هو الأسرة، حمل كلا منهما المسؤولية؛ لتكوين اللبنة الصالحة؛ في بناء المجتمع الصالح، وجعل لكل من الزوجين واجبات وحقوقاً، فعلى الزوج الإنفاق؛ وعلى الزوجة الإرضاع، إرضاع طفلها المولود؛ الذي هو بحاجة إلى أن تتلمس يداه صدر أمه؛ ليجد المتعة النفسية، والراحة العاطفية، ويتغذى لبن أمه مع الحنان الدافق، ويمص حليب أمه من ثدييها، اللذين هيأهما الخالق جل وعلا لذلك، وهيأ المعمل الذي يولد الحليب في صدر الأم؛ فقيرة كانت أو غنية، وذلك للحفاظ على نشأة الطفل الصغير؛ والمولود الجديد؛ في هذا العالم الغريب.

 

ولقد كانت عادة العرب الإرضاع؛ بل إنها عادة الإنسانية جميعاً من قبل، فأخبر القرآن عن سيدنا موسى عليه السلام {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ } [القصص:28/12] ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإرضاع، فأرضعته حليمة السعدية، فأصبحت بذلك أمه من الرضاع، وجعل الله تعالى لهذا الإرضاع أحكاماً شرعية، فمنها: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ } [النساء: 4/23].

ولم يُعرف الحليب والإرضاع الاصطناعيان؛ إلا في هذا العصر، الذي ما لبث أن عاد ينادي؛ وبصراخ شديد؛ للعودة إلى الإرضاع الطبيعي. والمسلم الملتزم بالشرع الإسلامي، لم يكن في حاجة إلى التنقل من الإرضاع الطبيعي إلى الاصطناعي؛ ثم الطبيعي، فهو يستقي من منهج الله تعالى، ويسير عليه، حتى جاء الخطاب القرآني إلى الأم يدعوها بالاهتمام برضاعة طفلها من صدرها، في أحلك الظروف الصعاب على الرغم من سوء العلاقة مع زوجها، وحتى بعد طلاقها من زوجها. إنه الإهتمام بالطفل، والتشريع الرباني للطفل، والعدل الإلهي في حق هذا الطفل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ  لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ }  [البقرة:2/232].

"إن على الوالدة المطلقة واجباً تجاه طقلها الرضيع؛ واجباً يفرضه الله عليها، ولا يتركها فيه لفطرتها؛ التي قد تفسدها الخلافات الزوجية، فيقع الغرم على الصغير. إذا يكفله الله ويفرض له في عنق أمه الإرضاع، وتأخذ من أبيه الأجر، فالله أولى بالناس من أنفسهم، وأبر منهم؛ وأرحم من والديهم، والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه: الصحية؛ والنفسية؛ للطفل.

 

(لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية؛ لينمو الطفل نمواً سليماً؛ من الوجهتين الصحية والنفسية؛ ولكن نعمة الله على الجماعة المسلمة لا تتركهم؛ حتى يعلموا هذا من تجاربهم، فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة؛ لم يكن ليترك يأكله الجهل؛ كل هذا الأمد الطويل، والله رحيم بعباده، وبخاصة بهؤلاء الصغار الضعاف؛ المحتاجين للعطف والرعاية.

 

ولم يكتف الإسلام أن يحافظ على رضاعة الطفل بعد طلاق أبويه، بل تعدى ذلك بأن أخر إقامة الحد على أمه الزانية، وذلك حتى تنتهي رضاعته من ثدي أمه، إنها الرحمة بالطفل؛ والحرص عليه، أن ينشأ قوي الجسم، صحيحاً غير سقيم:

 

روى الإمام أحمد في مسنده (5/348) قصة المرأة الغامدية التي زنت؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي" فَلَمَّا وَلَدَتْ؛ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا قَدْ وَلَدْتُ، قَالَ "فَاذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ" فَلَمَّا فَطَمَتْهُ جَاءَتْ بِالصَّبِيِّ، فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا قَدْ فَطَمْتُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبِيِّ فَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا؛ فَحُفِرَ لَهَا حُفْرَةٌ.. وذكر حديث الرجم.

 

وأكد الطبيب البارع ابن سينا على أهمية الرضاعة الطبيعية بقوله "إنه يجب أن يرضع ما أمكن من لبن أمه، فإن في إلقامه ثدي أمه؛ عظيم النفع جداً؛ في دفع ما يؤذيه".

 

أما الطبيب البلدي فقال: "فالأخلق بلبن الأم؛ أن يكون أوفق الألبان كلها؛ لسائر الأطفال، إن لم يكن لها علة؛ أو سبب، يفسد اللبن".

ويضيف أن الإرضاع فيه: "سلامة الأم والطفل، ونفع له ولها؛ وحفظ لصحتها وصحته".

وهنا نجد أن الطبيب البلدي قد أطباء اليوم؛ في إثبات الرضاعة من ثدي الأم، حيث يقيها عدداً من الأمراض منها سرطان الثدي.

وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان لا يفرض لمولود حتى يُفطم، فتراجع عن ذلك، وفرض له من حين ولادته، حتى تطول فترة الإرضاع، فبينما هو يطوف ذات ليلة بالمصلى، بكى صبي، فقال لأمه: أرضعيه، فقالت: إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يفطم، وإني فطمته، فقال عمر: إن كدت لأن أقتله؛ أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد". وبذلك تحقق وعد الله تعالى { نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ } [الإسراء: 17/31] من اللحظة الأولى.

 

وللرضاعة من ثدي الأم مزايا عديدة ومتنوعة:

إن الطفل تكون من غذاء أمه وهو جنين، فهو يتابع غذاؤه بحليب أمه وهو رضيع، فالحليب الطبيعي هو امتداد لتكوينه، وهذا من أقوى الأسباب للرضاعة الطبيعية. وهناك حكماً ذكرها بعض الأحيان منها:

1- فالطفل يرضع لبناً نظيفاً، معقماً.

2- ليس بارداً، ولا حاراً.

3- متوافراً في كل الأوقات.

4- لا يفسد بالتخزين.

5- يتناسب مع معدة الرضيع.

6- يفي باحتياجات الطفل الرضيع.

7- يُصفي على الطفل مناعة خاصة ضد الجراثيم.

8- الرضاعة المباشرة من ثدي الأم تمنع حدوث البدانة في الأطفال، وفي الأمهات.

9- والرضاعة من ثدي الأم تنمي الحنان؛ وتقوي الرابطة العاطفية بين الأم ووليدها.

 

وعملية الرضاعة عندما تصاحبها النية الحسنة، وطلب مرضاة الله، فإنها تؤتي أكلها كل حين بإذن الله، ولهذا روي أن عمرو بن عبد الله قال لامرأته التي ترضع ابناً لها: "لا يكونن رضاعك لولدك؛ كرضاع البهيمة ولدها؛ قد عطفت عليه من الرحمة بالرحم، ولكن أرضعيه؛ تتوخين ابتغاء ثواب الله؛ وأن يحيا برضاعك خلق، عسى أن يوحد الله، ويعبده".

 

ومن الأمور المكروهة أثناء الإرضاع، حمل المرأة وهي مرضع، فتفسد لبنها بحملها، وبالتالي يُحرم الطفل الرضيع من الإرضاع الطبيعي، وهذا ما حذر منه صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكره عشر خلال" وذكر منها "... وفساد الصبي" أخرجه أبو داود والنسائي، وفساد الصبي: هو المسمى بالغيلة، وهو حمل المرأة المرضع، فيفسد لبنها:

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم