مسؤولية التربية

الكاتب : الشيخ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد

"أيها الكفيل إذا ألقيت مسؤولية الطفل في مراتع وخيمة، أخشى أن يُضاعف لك العذاب ضعفين، تُعذِّبُ على تشويه تلك الجوهرة المكرمة عذاباً نكيراً، وتحوز من تلك الجناية العامة نصيباً مفروضاً".

لهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يُحَمِّلٌ الوالدين مسؤولية تربية الأبناء مسؤولية كاملة: فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ،وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فٍي أَهله ،وَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْت زَوْجها ، وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍوَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" متفق عليه. حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع قاعدة أساسية مفادها أن الابن يشب على دين والديه، وهما المؤثران الثويان عليه.

أخرج البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَد إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } [الروم: 30/30].

وإن الله تعالى أمر الوالدين بتربية الأبناء، وحضهم على ذلك، وحملهم مسؤوليتها بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 66/6].

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله عز وجل: { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير. رواه الحاكم في مستدركه (4/494) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

قال الفخر الرازي في التفسير: { قُواْ أَنفُسَكُمْ } أي: بالانتهاء عما نهاكم الله عنه.

وقال مقاتل: أن يؤدب المسلم نفسه وأهله، فيأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر.

وقال في "الكشاف": { قُواْ أَنفُسَكُمْ } بترك المعاصي وفعل الطاعات، وأهليكم بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم.

فلا بد من بذل الجهد، والعمل الدؤوب، في إصلاح الأطفال، وتصحيح أخطائهم على الدوام، وتعويدهم الخير، وهذا سبيل الأنبياء والمرسلين؛ فلقد دعا نوح ابنه إلى الإيمان، ووصى إبراهيم بنيه بعبادة الله وحده؛ وهكذا.

وقد ذكر الإمام النووي في كتابه "بستان العارفين"، عن الشافعي، عن فضيل قال: قال داود النبي صلى الله عليه وسلم: "إلهي! كُنْ لِابني كَمَا كُنتَ لي! فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! قُل لابنكَ يكن لي كما كنت لي، أكن له، كما كنت لك".

لذلك قرر الإمام الغزالي – رحمه الله – في رسالته: "أيها الولد" أن معنى التربية يشبه عمل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع، ليحسن نباته، ويكمل ريعه.

وقد أكد ابن القيم – رحمه الله -، هذه المسؤولية، وتكلم كلاماً مفيداً نافعاً، فقال: "قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده؛ فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فللابن على أبيه حق؛ كما قال الله تعالى:{ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [العنكبوت: 29/8 ], وقال تعالى: { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 66/6]. وقال علي بن أبي طالب: علموهم وأدبوهم. وقال تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى } [النساء: 4/36] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عْدِلُوابَيْنَأَوْلَادِكُمْ".

فوصية الله للآباء بأولادهم، سابق على وصية الأولاد بآبائهم، قال الله تعالى: { وَلَّا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةََ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } [الإسراء: 17/31].

ويتابع ابن القيم قوله: "فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة؛ وأكثر الاولاد إنما جاء فسادهم من جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً؛ كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت! إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً؛ وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً",

وإن الزواج وإنجاب الأولاد مسؤولية كبيرة يحاسب عليها المرء يوم القيامة؛ أخرج الترمذي وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ :أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا وَمَالًا وَوَلَدًا؟ وَسَخَّرْتُ لَكَ الْأَنْعَامَ وَالْحَرْثَ؟ وَتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلَاقِي يَوْمَكَ هَذَا؟ قَالَ فَيَقُولُ: لَا فَيَقُولُ لَهُ الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي" وفي رواية: "ألم أزوجك؟"."فأي شهادة على سخافة مدارك الرجل، وفقد شعوره، أعظم يمثل أمام عينيه، الزمن الذي يبلغ فيه الطفل أشده، ويرسم في مخيلته، كيف ينتظم في دائرة رجاله، ولا يؤهله بالتربية الحسنى لأن يكون سيداً نبيلاً".

أما هذه التربية فهي حق الابن على والديه، وليست هبة أو هدية، وهذا أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما سماهم الله أبراراً، لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً، كذلك لولدك عليك حق" أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

وروى النسائي، وابن حبان في صحيحه مرفوعاً: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيغ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته". وفي رواية عبد الرزاق: "إن الله عز وجل سائل كل ذي رعية فيما استرعاه: أقام أمر الله فيهم أم أضاعه؟ حتى إن الرجل ليُسأل عن أهل بيته".

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم