الأساس الثاني – تحين الوقت المناسب للتوجيه

الكاتب : الشيخ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد

إن لاختيار الوالدين للوقت المناسب في توجيه ما يريدان، وتلقين أطفالهم ما يحبان دوراً فعالاً في أن تؤتي النصيحة أكلها... وإن اختيار الوقت المناسب المؤثر في الطفل، ويسهل ويقلل من جهد العملية التربوية؛ فإن القلوب تقبل وتدبر، فإن استطاع الوالدان – زمن إقبال قلوب أطفالهم – توجيههم؛ فإنهم سيحققون فوزاً كبيراً بعملهم التربوي.

 

وإن الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم كان دقيق النظر إلى تحين الزمان والمكان المناسبين لتوجيه الطفل، والاستفادة منهما في تلقين الطفل الأفكار، وتصحيح سلوكه الخاطيء وبناء سلوك سليم صحيح.

 

وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم لنا ثلاثة أوقات أساسية في توجيه الطفل، فما هي هذه الأوقات؟

 

1- النزهة، والطريق، والمركب:

فحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: "يَا غُلَام!..." الحديث.

 

يدل على أن هذه التوجيهات النبوية كانت في الطريق، وهما يسيران إما مشياً على الأقدام، أو سيراً على الدابة، ولم تكن هذه التوجيهات في غرفة محدودة، وإنما في الهواء الطلق، حيث نفس الطفل أشد استعداداً للتلقي، وأقوى على قبول النصائح، والتوجيهات.

 

وإن رواية الحاكم في مستدركه (3/541) تؤكد أن السير على الدابة، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي ملياً، ثم التفت، فقال: "يا غلام" قلت: لبيك يا رسول الله! قال: " احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ...." الحديث.

حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم ليحمل أحد الأطفال في الطريق سراً من أسراره لكي يحفظه، وما ذلك إلا لقوة تأثر الطفل للتلقي في مثل هذه الأوقات.

أخرج الإمام مسلم عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ.

 

 

2- وقت الطعام:

ففي هذا الوقت يحاول الطفل أن ينطلق على سجيته، ويضعف أمام شهوة الطعام، فيتصرف أفعالاً شائنة أحياناً، ويخل بالآداب أحياناً أخرى، وإذا لم يجلس الوالدان معه باستمرار أثناء الطعام، ويصححا له أخطاءه، فإن الطفل سيبقى في براثن العادات السيئة المنفرة، كذلك فإن عدم الجلوس معهم في أثناء طعامهم، سيفقد الوالدين وقتاً مناسباً لتلقي الطفل، وتعلمه:

 

وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال، وشاهد، ولاحظ جملة من الأخطاء، فقدمها بأسلوب حيوي أثار به عقل، ونفس الطفل إلى التصحيح، وهكذا كان.

 

أخرج البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ طِعْمَتِي بَعْدُ.

وفي رواية أبي داود والترمذي وابن حبان في صحيحه: ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ".

فأنت تجد في هذه الرواية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الطفل إلى الطعام معه، وذلك بكل رفق: "ادن" ثم وجهه إلى طريقة الطعام، وآدابه.

 

وغدا الصحابة يصطحبون معهم أطفالهم إلى الولائم، وخاصة التي يحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتعلمون في هذه الولائم علماً نفعاً، وآداباً جامعة، فيكتسبون قوة الرجولة شيئاً فشيئاً.

 

روى الدارقطني (4/285): عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: "قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فانتهينا إلى القبر، فَرَأَيْتُه يُوصِي الْحَافِرَ قال: "أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ" فَلَمَّا انصرف تلقاه داعي امرأة من قريش، فقال: إن فلانة تدعوك، وأصحابك، قال: فأتاها، فلما جلس القوم أتى بالطعام، وفوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده، ووضع القوم، فبينما هو يأكل إذ كف يده، قال: وقد كنا جلسنا بمجالس الغلمان من آبائهم، قال: فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك أكلته، فجعل الرجل يضرب يد ابنخ حتى يرمي العرق من يده" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها..." وفي رواية له: "فذهب بي أبي معه، قال: فجلسنا بين يدي آبائنا مجالس الابناء من آبائهم". وفي رواية ثالثة: "خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم... ثم ذكر الحديث".

 

3- وقت مرض الطفل:

المرض يلين قلوب الكبار القساة، فما بالك بالأطفال الذين ما زالت قلوبهم عامرة باللين، وحسن الاستقبال؟! فالطفل عندما يمرض يجمع بين سجيتين عظيمتين في تصحيح أخطائه، وسلوكه، حتى معتقده: سجية فطرية الطفولة، وسجية رقة القلب والنفس في أثناء المرض، وقد وجهنا إلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزار طفلاً يهودياً مريضاً، ودعاه إلى الإسلام، وكانت الزيارة مفتاح عهد النور لذاك الطفل.

 

روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ".

أرأيت كيف كان هذا الطفل يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدعه إلى الإسلام بعد، إلى أن وجد النبي صلى الله عليه وسلم الوقت المناسب لدعوته، فأتاه، وعاده. إلى مثل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال أدعو نفسي وأدعوك، وإلى الصبر والحلم في الدعوة، وتحين الوقت المناسب؛ لإلقاء الإيمان؛ لتنمو في التربة الصالحة في الوقت الصالح.

 

وهكذا أصبح بيدي الوالدين ثلاثة أوقات رئيسية مناسبة في توجيه الطفل، وبناء شخصيته، وهي: وقت النزهة، والطريق، والركوب. ووقت الطعام، ووقت المرض، وإلى غيرها من الأوقات التي يجدها الوالدان مناسبة لطفلهم.

 

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم