1. المقالات
  2. النصر المؤزر للنبى الموقر
  3. الحق الرابع: أن لا يُعبد الله تعالى إلا بما شرع ، وليس بالأهواء والبدع الجزء الثانى

الحق الرابع: أن لا يُعبد الله تعالى إلا بما شرع ، وليس بالأهواء والبدع الجزء الثانى

الكاتب : ماجد بن سليمان الرسى
700 2020/07/23 2020/07/23

 فصل في معالم الاعتصام بالسنة والحذر من البدع
معالم الاعتصام بالسنة والحذر من البدعة تتجلى بمعرفة عشرين مقدمة[1]:
1. المقدمة الأولى: أن دين الإســــلام مبني على أصلين عظيمين ؛ الأول: أن لا يُعبد إلا الله وحده ، وهو معنى شهادة ألا إلـٰه إلا الله ، والثاني: أن لا يُعبد إلا بما شرع ، وهو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله.
وارتكاب الشرك ضد الأصل الأول ، وارتكاب البدع ضد الأصل الثاني ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
2. المقدمة الثانية: أن العمل لا يكون مقبولا إلا إذا توافر فيه شرطان ؛ الأول أن يكون الـمقصود به وجه الله تعالى ، وضده الشرك بنوعيه ؛ الأكبر وهو التقرب للمخلوقين ، والأصغر وهو الرياء.
والشرط الثاني هو متابعة النبي ﷺ .
ودليل هـٰذين الشرطين

قوله تعالى

[فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا]

[2]

.
قال الفضيل بن عـياض رحمه الله في معنى

قوله تعالى

[ليبلوكم أيكم أحسن عملا]

[3]

؛ قال: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا أبا علي ، ما أخلصه وأصوبه؟

قال: إن العـمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصًا لم يقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً ، والخالص ما كان لله ، والصواب ما كان على السنة.
3. المقدمة الثالثة: لكي يكون الإنسان متأسيا بالنبي ﷺ في عبادته ، فعليه أن يلاحظ أمورا ستة:
أولا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في سببها ، فأي إنسان يتعبد لله بعبادة مبنية على سببٍ لم يثبت بالشرع فهي عبادة مردودة ، فلو أضاف إنسان صلاة سادسة غير الصلوات الخمس لكانت عبادته هذه مردودة لأن ليس لها سبب شرعي في الكتاب والسنة[4].
ودليل هذه الأصل

قول الله تعالى

{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}

، وقول النبـي ﷺ :

(من أحدث في أمرنا هذا[5] ما ليس منه فهو رد)

[6].


وفي رواية:

من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد

[7].

قال الألباني رحمه الله: (أي من أحدث في الإسلام ما ليس في الإسلام في شيء ، ولم يشهد له أصل من أصوله ؛ فهو مردود ولا يلتفت إليه ، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الدين الجليلة ، فينبغي حفظه وإشهاره في إبطال المحدثات والبدع).
ثانيا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في جنسها ، فلو ضحى إنسانٌ بفرسٍ لـم تقبل أضـــــحيته ، لأنه مخالف للشريعة في جنسها ، لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم.
ثالثا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في قدرها ، فلو أن إنسانا صلى الظهر ستا ، لكانت عبادته غير مقبولة ، لأنها مخالفة للشريعة في قدرها ، ولو طاف بالبيت ثمانية أشواط لكانت الشوط الإضافي مردود عليه غير مقبول.
رابعا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في كيفيتها (أي صفتها) ، فلو أن إنسانا توضأ ، لكنه غسل رجليه ثم مسح رأسه ، ثم غسل يديه ، ثم غسل وجهه ؛ فهذا وضوءه غير مقبول ، وبالتالي صلاته غير صحيحة ، لأنه خالف الشريعة في كيفية الوضوء الواردة عن النبي ﷺ .
خامسا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في زمانها ، فلو أن إنسانا صام صيام الفرض في شعبان أو في شـوال ، وليس في رمضان ، أو صلى الظهر قبل الزوال ، فهذا صيامه غير صحيح ، وكذا صلاته ، لأنه خالف الشريعة في زمان العبادة المحددة لها من قبل الشارع الحكيم.
سادسا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في مكانها ، فلو أن حاجا وقف يوم عرفة بمزدلفة لم يصح وقوفه ، وعليه إعادة حجة ، لأن عبادته لم توافق الشرع في مكانها. 
وكذلك لو أن إنسانا اعتكف في منزله فلا يصح اعتكافه ، لأن مكان الاعتكاف هو المسجد.
فهذه ستة أوصاف لا تتحقق متابعة النبي ﷺ إلا باجتماعها في العبادة: سببها ، جنسها ، قدرها ، كيفيتها ، زمانها ، مكانها.

4. المقدمة الرابعة: أن السنة سُــنَّتان ؛ سنة فعلية وسنة تركية ، فالفعلية هي ما فعله النبي ﷺ أو أمر به أو أقر عليه ، كالأذان للصلوات الخمس ، ففعله سنة نبوية.
وأما السنة التركية فهي ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي لذلك ، مثل ترك الأذان لصلاة العيدين وصلاة الجنازة ، فتركه سنة نبوية ، وعلى هذا فقس بقية العبادات.
5. المقدمة الخامسة: أن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل ، والأصل في العادات الحل إلا بدليل يدل على التحريم ، وهذا قاعدة هامة ، تساعد المسلم على استبصار الطريق فيما أشكل عليه ، فمثال القاعدة الأولى: لو قال رجل: دعونا نزيد في الصلوات المفروضة صلاة سادسة ، فهذا نقول له إن هذا الفعل بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ إلا خمس صلوات في اليوم والليلة.
وكذا لو قال رجــل: إنه من المستحب أن يقول المصـلي في دبر كل صلاة (الله حي) مائة مرة ؛ فهذا نقول له أين الدليل الشرعي؟ فهذه كتب الأذكار الواردة عن النبي ﷺ لم يرد فيها شيء من هذا ، فيكون فعله بدعة محدثة.
فالأصل في العبادات المنع إلا إذا ثبتت عن النبي ﷺ بدليل شرعي.
وأما القاعدة الثانية وهي أن الأصل في العادات الحل ، فمثلا لبـــــــــس الطاقية ، فإنه من العادات ، فلو قال رجل إنه حرام لقلنا له أين الدليل؟ وهكذا الأمر في سائر العادات.
6. المقدمة السادسة: أن التشريع حق الله وحده ، قال تعالى )أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله( ، وهذا استفهام بمعنى الإنكار ، أي ليس لأحد حق تشريع شيء في الدين لم يأذن به الله ، وعليه فمن ابتدع في دين الله ما ليس منه فقد جعل نفسه مشرعا مع الله ، كما أن مقتضى فعله أن النبي ﷺ لم يتم الرسالة ، وأنه – أي ذلك المبتدع - جاء ليُتم الشريعة ، وكل هذا باطل قطعا.
7. المقدمة السابعة هي أن النبي ﷺ هو الواسطة الوحيدة لنقل الشريعة ، وقد نقل الشريعة كاملة ولم يكتم شيئا ، فقد روى الشيخان عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت:
 

يا أبا عائشة ، ثلاثُ من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية  - وذَكَرَت منها – ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ،

والله يقول

(يا أيها الرسول بلغ ما أُنزِل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)

[8].

وروى الشافعي في «مسنده» عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب مرسلا ، أن رسول الله ﷺ قال:

ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه

[9].


8. المقدمة الثامنة أن الشريعة كاملة ليس فيها نقص ، قال الله تعالى )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( ، فالدين شامل كامل لا يحتاج إلى زيادة كما أنه لا يجوز فيه النقص ، ولهذا قال الله تعالى في وصف القرآن )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء(  ، فما من شيء يحتاج الناس إليه في معادهم ومعاشهم إلا بينه الله تعالى في كتابه ، إما نصًّا أو إيماءً أو منطوقاً أو مفهوماً.
وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تركنا محمد ﷺ ، وما يُـحرِّك طائر جناحيه في السماء إلا أذكَـــرَنا[10] منه علما[11].
وقال رجـل من المشركين لسلمان الفارسي رضي الله عنه: علمكم نبيكم كل شيء ، حتى الخِراءة [12]، فقال: أجـل ، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائـط أو بول ، أو أن نستنجي باليمين ، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ، أو أن نستنجي برجيعٍ [13]أو عظمٍ[14].


فالاب

تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
وأما الأثر الذي أساء فهمه بعض الناس فهو ما رواه البخاري بسنده إلى عبد الرحمـٰن بن عبد القارئ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون ، يُصلي الرجل لنفسه ويُصلي الرجل فيُصلي بصلاته الرَّهط ، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم.
قال عمر: نِعم البدعة هذه.
والأثر ليس فيه إشكال إذا عرفنا أربعة أمور:
الأول: أننا نعلم علم اليٍقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الناس تعظيماً لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكان مشهوراً بالوقوف على حدود الله تعالى.
فعلى هذا فمن غير الممكن أن يخالف عمر كلام سيد البشر محمد ﷺ ، وأن يقول عن بدعة ما «نعمة البدعة» ، وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله ﷺ بقوله: «كل بدعة ضلالة» ، بل حتما هي غير مرادة بقوله ذاك.
الثاني: أن صــلاة التـراويـح سنّها النـبي ﷺ بفِعله وقـوله ، وفَعلها ثلاثة أيـام جمـاعة في المسـجد ، ثم تركها خشية أن تفرض عليهم ، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي ﷺ قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة ، فلما صلى بهم الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد ، فإنه لم يخف علي مكانكم ، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.

تداع يعدُّ تقدما بين يدي الله ورسوله ، وقد نهى الله عن ذلك ،

قال الله تعالى

[يا أيها الَّذِينَ آمنوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]. [15]


9. المقدمة التاسعة أن النبي ﷺ كان يحذر من البدع دائما ، في كل خطبة وفي كل جمعة ،

ويقول:

أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة[16]. وفي لفظ: وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.

[17]


وهذا عام في كل البدع ، لأن النبي ﷺ عمم ولم يخصص ، وأطلق ولم يقيد ، وهو الذي أوتي جوامع الكلم ، فقوله: «كل بدعة» لفظة كلية عامة شاملة ، مُسوَّرة بأقوى أدوات الشمول والعموم «كل» ، والذي نـطق بهذه الكلية يعلم مدلول هذا اللفظ ، وهو أفصح الخلق ، وأنصح الخلق للخلق ، لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه.
وقد فهم الصحابة من نبيهم هذا الفهم ،

فعن عبد الله بن مسعود قال:

إنما هما اثنتان ؛ الهدي والكلام ، وأصدق الحديث كلام الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار

[18].


10. المقدمة العاشرة أن العلم بالبدع أمر هام ، من جهة العلم بتعريفها وأنواعها ، لئلا يقع فيها الإنسان وهو لا يدري ، ويظن أنه يحسن عملا وأنها تقربه إلى الله ، وهي لا تزيده من الله إلا بعدا ، فيكون ممن قال الله فيهم )وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا( ، فتكون الحسرة يوم لا ينفع التحسر.

وقد تفطَّن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى هذا فقال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني[19].
11. المقدمة الحادية عشرة أن الناس في البدع ثمانية أقسام ؛
1. فمن الناس من اتبع الهدي النبوي ، وأنكر البدع ، وهم أهل الحق.
2. ومنهم من اتبع الهدي النبوي ، ولم ينكر البدع.
3. ومنهم من يحب الهدي النبوي ، ولكنه لم يفعله ، ولم ينكر البدع.
4. ومنهم من لم يعرف الهدي النبوي ، وبالتالي لم يعرف قدره ، ولم ينكره.
5. ومنهم من لم يحب الهدي النبوي ، ولم يبغضه. 
6. ومنهم من يحب البدع ، ويبغض الهدي النبوي ، عياذا بالله.
7. ومنهم من لم يحب البدع ، ولم يبغضها. 
8. ومنهم من لم يعرف البدع ، وبالتالي لم ينكرها. 
12. المقدمة الثانية عشرة: العلم بأن علماء المسلمين قد قاموا بالذود عن حياض الشريعة ، فنبهوا على البدع في كتب كثيرة ، وبينوا فيها قواعد البدع وأصولها وفروعها ، ومن أجود ما ألف في ذلك كتاب «الاعتصام» لأبي إسحاق الشاطبي رحمه الله.
ومن أهل العلم من استقرأ البدع المنتشرة في الناس ، ونبه عليها ، وبين وجه مخالفته للهدي النبوي ، وهناك كتب كثيرة للمتقدمين ، من أشهرها كتاب «الحوادث والبدع» لأبي بكر الطرطوشي ، وكتاب «البدع والنهي عنها» لابن وضاح القرطبي ، وكتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة المقدسي ، كما أن هناك كتبا عدة لبعض المتأخرين ، ككتاب «البدع الحولية» لعبد الله التويجري ، وكتاب «معجم البدع» لرائد صبري ، وغيرها من كتب أهل السنة.
13. المقدمة الثالثة عشرة: موارد البدع ستة: 

1. الأحاديث الضعيفة[20].
2. والأحاديث الموضوعة ، أو التي لا أصل لها.
3. والعادات أو العبادات المأخوذة من الكفار.
4. وما نص على استحبابه بعض العلماء بدون دليل ، اجتهادا منهم واستحسانا ، فصارت عند الناس سنة متبعة ، وهذا مما يدخل في زلات العلماء.
5. والغلو في العبادات.
6. والعادات التي يستحسنها العامة والجهال من باب الذوق والاستحسان.
14. المقدمة الرابعة عشرة: البدع ليست متساوية في حكمها ، فبعضها يفضي إلى الكفر عياذا بالله ، ككثير من بدع العقائد ، وبعضها لا يفضي إلى الكفر ، ككثير من بدع العبادات ، وعلى كل حال فالبدع فوق الكبيرة في الـمرتبة ، كما سيأتي بيانه ، وليس في البدع ما دون ذلك ، أو في مستــوى المكـروه أو الصـغائر ، وما ذاك إلا لأن البـدعة فيها تعـدي على الشريعة بزيادة ، والزيادة تحريف ، ولا أظلم من ذلك.
وإثم البدع أعظم من إثم الكبيرة بكثير ، وبيان ذلك من عدة وجوه:
الأول: أن المبتدع يعتقد أنه على صواب فيما يرتكبه من عبادات محدثة ، أما فاعل الكبيرة – من سرقة أو زنا أو شرب خمر – فيعلم أنه مخطئ ، فربما أحدث هذا عنده انكسارا ، فيتوب ، فيتوب الله عليه.
الثاني: أن الابتداع يؤدي مع مرور الزمن إلى تغيير الدين ، لأنه يتطور ويتفرع ، أما الكبائر فالكل يعلم أنها مخالفة للدين ، وأنها ليست منه ، حتى أهل البدع أنفسهم.

الثالث: أن أهل البدع – في الغالب- يحاربون أهل السنة إذا نهوهم عن بدعهم ، وربما فسّقوهم أو كفروهم أو اتهموهم ، فيزدادون إثما على إثمهم ـ عياذا بالله ، أما أهل الكبائر فإنهم إذا جاءهم من يذكرهم بالله وعقابه فإنهم إما يقبلون النصيحة ويتوبون إلى الله ، وإما يردونها مع دعاء الله بأن يمن عليهم بالهداية ، والقليل من يخاصم من ينهاه عن كبيرته.
الرابع: أن إحياء البدع يؤدي إلى هدم السنن النبوية والبعد عنها ، كما قال أحد السلف: ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة[21].
وحسبُك دليلا على خطر البدعة قول النبي ﷺ : إن الله حــــــــــجب التوبة عن كل صاحب بدعة ، حتى يدع بدعته[22].
15. المقدمة الخامسة عشرة: صغار البدع تكبر مع مرور الزمن وقلة المناصح فتصير كبارا ، قال الإمام البربهاري رحمه الله ، وهو من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله ، توفي سنة 329 هـ ، قال في كتابه «شرح السنة»:
واحذر صغار المحدثات من الأمور ، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارا ، وكذلك كل بدعـة أُحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق ، فاغتر بذلك من دخل فيها ، ثم لم يستطع الخروج منها ، فعظُمت وصارت دينا يدان به ، فخالف الصراط المستقيم ، فخرج من الإسلام.
فانظر رحمك الله كل من سـمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ، ولا تدخُلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ أو أحد من العلماء [23]، فإن أصبت أثرا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ، ولا تختر فيه شيئا فتسقط في النار[24].

واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين ؛ أما أحدهما ؛ فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير ، فلا يُقتدى بزلته ، فإنه هالك.
وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين ، فهو ضال مضل ، شيطان مَرِيد في هذه الأمة ، حقيق على من يعرفه أن يَحذر الناس منه ، ويبين للناس قصته ، لئلا يقع أحد في بدعته ، فيهلك.
واعلم رحِمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعا مصدِّقا مُسلِّما ، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذّبهم ، وكفى بهذا فُرقة وطعنا عليهم ، وهو مبتدع ضال مضل ، مُحدث في الإسلام ما ليس فيه.
16. المقدمة السادسة عشرة: قد أشـكل على بعض الناس فهمَ حديثٍ وأثرٍ ، ففهموا منهما أن في البدع ما هو حسن ، فأما الحديث فهو حـديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، عليهم الصوف ، فرأى سوء حالهم ، قد أصابتهم حاجة ، فحث الناس على الصدقة ، فأبطئوا عنه ، حتى رؤى ذلك في وجهه ، قال: ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصُـرَّة[25] من وَرِق[26] ، ثم جاء آخر ، ثم تتابعوا ، حتى عُرِف السرور في وجهه ، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة ، فعُمل بها بعده ؛ كتب له مثل أجـر من عــمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُــتِب عليه مثل وزر من عمل بـها ، ولا ينقُص من أوزارهم شيء[27].
وقد فهِم بعض الناس من قوله ﷺ : (من سن في الإسلام) ، أي من أحدث فيه ، ، والجواب عن هذا الظن من وجوه:
الأول: ما قاله ابن عثيمين رحمه الله في الجواب عن هذه الشبهة:

إن من قال (من سن في الإسلام سنة حسنة) هو القائل: (كل بدعة ضلالة) ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولاً آخر ، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله ﷺ أبداً ، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبداً ، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ متناقض فليعد النظر ، فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه ، وإما عن تقصير ، ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ تناقض أبداً.
وإذا كان كذلك فحديث (كل بدعة ضلالة) ليس مناقضا لحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» ، لأن النبي ﷺ قال: «من سن في الإسلام» ، والبدع ليست من الإسلام ، وقال «حسنة» والبدعة ليست بحسنة ، وفرق بين السن والتبديع.
وهناك جواب لا بأس به: أن معنى «من سن» أي من أحيا سنة كانت موجودة فعُدمت فأحياها ، وعلى هذا فيكون«السن» إضافياً نسبيّاً كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت. 
وهناك جواب ثالث يدل له سبب الحديث وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي ﷺ ، وكانوا في حالة شديدة من الضـيق ، فدعا النبي ﷺ إلى التبرع لهم ، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة ، كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول ﷺ ، فجعل وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل من الفرح والسرور وقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فهنا يكون معنى السَّن هنا هو سن العمل تنفيذاً وليس سن العمل تشريعاً ، لأن التشريع مـمنوع ، كما قال النبي ﷺ : كل بدعة ضلالة. انتهى كلامه بتصرف يسير.
الرابع: أن أحاديث النبي ﷺ يشهد بعضها لمعنى بعضها الآخر ، ويُفسر بعضها ما أشكل في بعضها الآخر ،

وحديث أبي هريرة التالي يفسر حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من  تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا

[28].


وأما الأثر الذي أساء فهمه بعض الناس فهو

ما رواه البخاري بسنده إلى عبد الرحمـٰن بن عبد القارئ أنه قال:

خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاعٌ [29]متفرقون ، يُصلي الرجل لنفسه ويُصلي الرجل فيُصلي بصلاته الرَّهط [30]، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نِعم البدعة هذه

[31].


والأثر ليس فيه إشكال إذا عرفنا أربعة أمور:
الأول: أننا نعلم علم اليٍقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشد الناس تعظيماً لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكان مشهوراً بالوقوف على حدود الله تعالى.
فعلى هذا فمن غير الممكن أن يخالف عمر كلام سيد البشر محمد ﷺ ، وأن يقول عن بدعة ما «نعمة البدعة» ، وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله ﷺ بقوله: «كل بدعة ضلالة» ، بل حتما هي غير مرادة بقوله ذاك.
الثاني: أن صــلاة التـراويـح سنّها النـبي ﷺ بفِعله وقـوله ، وفَعلها ثلاثة أيـام جمـاعة في المسـجد ، ثم تركها خشية أن تفرض عليهم ، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي ﷺ قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة ، فلما صلى بهم الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد ، فإنه لم يخف علي مكانكم ، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.

فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك[32].
أي استمر الناس يصلون فرادى ، ثم كان الناس على ذلك في خلافة أبي بكر ، وصدرا من
خلافة عمر[33] ، ثم ألهمه الله فعلها ، فسن قيام رمضان جماعة ، وقال (نعمت البدعة هذه).
الثالث: وبناء على ما تـقدم ؛ فإن معنى قوله (بدعة) أي بالمعنى اللغوي ، وهي إحداث شيء قد تُرك ، لم يكن موجودا قبيل إيجاده ، وليس قصده المعنى الشرعي ، وهو إحداث عبادة ليس لها أصل في الكتاب والسنة ، ومن المعلوم أن القيام مع الإمام في صلاة التراويح عبادة شرعية ، وليست محدثة في عهد عمر ولا غيره ، كيف لا وقد قال النبي ﷺ : من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.
قال ابن عثيمين رحمه الله: وسماها عمر رضي الله عنه بدعة باعتبار أن النبي ﷺ لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه ويقوم الرجل ومعه الرجل والرجل ومعه الرجلان والرهط والنفر في المسجد فرأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه برأيه السديد الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس من قبل بدعة فهي بدعة اعتبارية إضافية وليست بدعة مطلقة إنشائية. انتهى.
فبالنظر إلى أنها موافقة لفعل النبي ﷺ فهي سنة ، وبالنظر إلى ما كان عليه الأمر قبل إحيائها من جديد فهي محدثة ، ولهذا وصفها بالحسن ، وقد أحياها عمر لأنه يعلم أنها لن تفرض ، لأن الشريعة قد تمت بوفاة النبي ﷺ ، وكان إحياؤه لهذه السنة المباركة سنة أربعة عشر من الهجرة ، وهذا شيء ألهمه الله به.
قال ابن كثير رحمه الله: والبدعة على قسمين ، تارة تكون بدعة شرعية[34] ، كقوله (فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة) ، وتارة تكون بدعة لغوية ، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه.

وقال القرطبي رحمه الله في قول النبي ﷺ (وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة): 
يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة أو عمل الصحابة رضي الله عنهم.
رابعا: أنه من المعلوم أن للخلفاء الأربعة سنة متبعة ، كما قال النبي ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ... الحديث.
فالتراويح ونحو ذلك لو لم تعلم دلالة النصوص الشرعية وأفعال النبي ﷺ عليها لكان أدنى أمرها أن تكون من سنة الخلفاء الراشدين ، فلا تكون من البدع الشرعية التي سماها النبي ﷺ بدعة ونهى عنها.
وبهذا التقعيد لا يمكن أبدًا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذاً لما استحسنوه من بدعهم.
17. المقدمة السابعة عشرة: البدع تقع في العقائد وتقع في العبادات ، وكلاهما خطير على دين المرء وآخرته ، قال تعالى )إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا( ، غير أن بدع العقائد أعظم خطرا من بدع الأعمال ، لأن العقيدة هي عمل القلب ، والقلب إذا صلُح بالعقيدة الصحيحة ؛ صلُح عمل الجوارح ، وإذا فسد القلب بالعقائد والبدع المحدثة ؛ فسد سائر عمل الجوارح وإن كثرت ، فاللهم سلِّم سلِّم.

المراجع

  1. للأمانة العلمية ونسبة الفضل لأهله ؛ فقد استفدت بعض هذه المقدمات من كتاب «الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع» للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.
  2. وانظر ما قاله الشنقيطي رحمه الله في «أضواء البيان» في تفسير قوله تعالى من سورة النحل من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. وانظر كذلك ما قاله في كتاب «الرحلة إلى أفريقيا» ، ص 38 ، 98 ، وهو كتاب يتضمن عدة محاضرات لفضيلته كانت مدونة في أشرطة ثم فرغت في الكتاب المذكور ، وهو من مطبوعات دار عالم الفوائد – مكة.
  3. سورة الملك: 2 .
  4. رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (8/98) ، قال: حدثنا أبي ، ثنا محمد بن أحمد بن يزيد ومحـمد بن جعفر قالا: ثنا إسماعيل ابن يزيد ، ثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
    الغبطة من الإيمان والحسد من النفاق ، والمؤمن يغبط ولا يحسد ، والمنافق يحسد ولا يغبط ، والمؤمن يستر ويعظ وينصح ، والفاجر يهتك ويعير ويفشي. وسمعته يقول: قيل لسفيان بن عيينة: ويل لك إن لم يُعف عنك ، إذا كنت تزعم أنك تعرفه وأنت تعمل لغيره. وسمعته يقول: كان يقال: لا يزال العبد بخير ما إذا قال قال لله ، وإذا عمل عمل لله. سمعته يقول في قوله ]ليبلوكم أيكم أحسن عملا[ ، قال: أخــلصه وأصــــوبه ، فإنه إذا كان خالصــا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا ، والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة. وسمعته يقول: ترك العمل من أجل الناس هو الرياء ، والعمل من أجل الناس هو الشرك. انتهى مختصرا.
  5. المقصود بالأمر هو الدين.
  6. تقدم تخريجه.
  7. تقدم تخريجه.
  8. رواه البخاري (4855) ومسلم (287 ، 177) ، واللفظ لمسلم.
  9. «مسند الشافعي» (2/413) ، (الناشر: مكتبة ابن تيمية – القاهرة) ، ورواه البيهقي من طريقه في «السنن الكبرى» (7/76).
  10.   أي ذكر لنا.
  11. رواه أحمد (5/153) ، وقال محققو «المسند»: حديث حسن.
  12. أي آداب قضاء الحاجة.
  13. الرجيع هو روث الدابة.
  14. رواه مسلم (262).
  15. سورة الحجرات: 1 .
  16. رواه مسلم عن جابر (867).
  17. رواه النسائي في «الكبرى» (5861) ، وهي لفظة صحيحة كما قال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ، حاشية (1/128).
  18. رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (9/97).
  19. رواه البخاري (3606) ومسلم (1847).
  20. قال ابن تيمية رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (19/191): وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة ، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها ، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم.
  21. رواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» ، برقم (93).
  22. رواه الطبراني في «الأوسط» برقم (4202) ، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» ، وصححه الألباني رحمه الله انظر «صحيح الترغيب والترهيب» ، برقم 54 ، و «الصحيحة» (1620).
  23. أي العلماء المتبعين للحديث النبوي وآثار الصحابة ، الذين يقرِنون كلامهم دائما بالدليل.
  24. أي: ولا تختر على ما جاء عن السلف شيئا مما جاء به المتأخرون فتسقط في النار ، لأنك تكون قد اخترت المحدث على المأثور ، والبدعة على السنة.
  25. الصُّرة هي ما يجمع فيه الشيء ثم يشد. انظر «المعجم الوسيط».
  26. الورِق هو الفضة.
  27. رواه مسلم (1017).
  28. رواه مسلم (2674).
  29. أوزاع أي متفرقون. انظر «النهاية».
  30. الرهط هم الجماعة ما دون العشرة. انظر «النهاية».
  31. رواه البخاري (2010).
  32. رواه البخاري (2012) ، ومسلم (761).
  33. ذكر ذلك ابن شهاب ، كما في صحيح البخاري ، في أول كتاب صلاة التراويح.
  34. أي في الشرع.
المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day