1. المقالات
  2. النصر المؤزر للنبى الموقر
  3. الحق الخامس عشر: توقير صحابته ﷺ الجزء الثانى

الحق الخامس عشر: توقير صحابته ﷺ الجزء الثانى

الكاتب : ماجد بن سليمان الرسى
25 2020/07/29 2020/07/29

والحاصل أن الصحابة فَضُلوا على من بعدهم بإحدى عشر خصلة
1. اختيار الله لهم لصحبة نبيه ﷺ .
2. رؤيتهم للنبي ﷺ وصحبتهم له.
3. حب النبي ﷺ لهم.
4. أنهم خير الناس قاطبة ، كما قال النبي ﷺ : خير الناس قرني ، ... الحديث.
5. ذكر فضلهم وخيريتهم في التوراة والإنجيل والقرآن ، وثناؤها عليهم ، كما في

قوله تعالى

[وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها]

،

]فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا[

، وقوله

[ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا]

6. سابِقتهم في الإسلام.
7. ما قدموا لله وللدين وللنبي ﷺ من النفس والمال والولد ، وشدهم من عزم الرسول ﷺ وتثبيته ، وتحملهم الأذى في سبيل قيام دين الإسلام.
8. ما اتصفوا به من الصفات الحميدة ، التي تلقوها وتربوا عليها من مشكاة النبوة مباشرة.
9. أن للخلفاء الراشدين منهم سنةً متبعةً.
10. حفظهم للقرآن والسنة وتبليغهما للناس ، وانتشارهما بسببهم في الآفاق إلى قيام الساعة.
11. أنهم أعلم الخلق بدين الله بعد النبي ﷺ ، وما أجمعوا عليه لا يسع أحداً خلافه.

وأهل السنة والجماعة يقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم ، فيؤمنون بأن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ، ويثلثون بعثمان ، ويربعون بعلي رضي الله عنهم ، ويُقدمون المهاجرين على الأنصار ، ويُفضلون من أنفق قبل الفتح [1]وقاتل ، على من أنفق من بعده وقاتل ، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر – وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر –

(اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)

[2]،

وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ، كما أخبر به ﷺ ، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ، كالعشرة وغيرهم من الصحابة.
ومذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وسَطٌ بين الإفراط والتفريط ، فليسوا من المفرِّطين الغالين الذين يرفعون من يُعظمون منهم ما لا يليق إلا بالله أو برسله ، وليسوا من المفرِّطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم ، فهم وسط بين الغلاة والجفاة.
ويحبونهم جميعاً ، وينـزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف ، فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون ، ولا يقصرون بهم عما يليق بهم ، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم ، وقلوبهم عامرة بحبهم ، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون ، إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور ، وليسوا معصومين ، بل هم بشر يصيبون ويخطئون ، ولكن ما أكثر صوابَـهم بالنسبة لصواب غيرهم ، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ، ولهم من الله المغفرة والرضوان.
وقد انحرفت طوائف من المبتــدعة في حـق الصـحابة رضي الله عنـهم انحـرافا عظـيما ، فـقدحوا فيهم ، وقللوا من شأنهم ، واتهـموهم بالكـذب والنـفاق والخـيانة ، ولم يـعرفوا لهم فضلهم وسابقتهم ، وهم الرافضة قبحهم الله ومن سلك مسلكهم.

وهذا الفعل محرم ،

لقوله ﷺ :

(لا تسبوا أصحابي)

، فمن سب صحابيا أو صحابيين فلا شك في أنه آثم لأنه عـصى النبي ﷺ وسب أصحابه ، وأما من طعن في عمومهم كما تفعل الرافضة ؛ فإن هذا كفر ، لأن الدين نُقل من طريقهم ، فمن طعن فيهم لزم من هذا الطعن فيما نقلوه ، من آيات وأحاديث ، وهذا كفر بـيِّن.
والقدح في الصحابة رضي الله عنهم قدح في النبي ﷺ ، فهم خاصته وبطانته ، ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح في الرسول عليه السلام ، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، إنما طعنوا في أصحابه لِــيقول القائل: (رجل سوء ، كان له أصحاب سوء ، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين)[3]. يعني بالرجل: النبي ﷺ .
وقال أبو زرعة الرازي ، وهو من أجل شيوخ الإمام مسلم: 
إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسـول عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا[4] ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح أولى بهم ، وهم زنادقة[5].

وقد روى مسلم عن عروة قال: قالت لي عائشة:

(يا ابن أختي ، أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم)

[6]

، تشير إلى الاستغفار الوارد في

قوله تعالى

]والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان[.


وكما تقدم ، فالذين عُرف عنهم القدح في الصحابة هم فرقة الرافضة ، قبحهم الله ، قال ابن تيمية: وأما الرافضة فيطعنون في الصحابة ونقلهم ، وباطن أمرهم الطعن في الرسالة[7].

وقال تلميذه ابن كثير رحمه الله:
فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول ﷺ وخيرهم وأفضلهم ، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ، رضي الله عنه ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم ، عياذا بالله من ذلك . وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة ، وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن ، إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ 
وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمَّن رضي الله عنهم ، ويسبون من سبه الله ورسوله ، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله ، وهم متبعون لا مبتدعون ، ويَـــقتدون ولا يَــــبتدعون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون. انتهى[8].
والقدحُ في زوجات النبي ﷺ داخل في القدح في الصحابة ، وقد وقع في هذا بعض المنافقين ، فاتهموا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه بتهمة الزنا ، فبرأها الله عز وجل من ذلك في آيات تتلى إلى قيام الساعة ، ثم تبعهم على هذا الرافضة ، قبحهم الله ، وسيأتي الكلام على هذا في حق مستقل قريبا إن شاء الله.
وقد وردت خصوصية تفضيل لبعض أصناف من الصحابة ، وهذا التفضيل تفضيل جنس لا تفضيل عين ، فأفضل الصحابة جنسا هم المهاجرون ،

قال تعالى في وصفهم

﴿للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾

[9].

ويجمع النص القرآني بين المهاجرين والأنصار

﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنهم وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾

[10].


وبعد المهاجرين يأتي الأنصار في المرتبة ، وقد قدمهم الله عليهم في الذكر كما في آيتي الحشر والتوبة اللتان تقدمتا.
والأنصار آووا النبي ﷺ ونصروه ، وجعلوا له منطلقا للدعوة إلى دين الإسلام ،

فعن أنس رضي الله عنه قال:

مرّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون ، فقال: ما يُبكيكم؟  قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا ، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك ، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية بُرْدٍ ، قال: فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار ، فإنهم كرشي وعيبتي [11]، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزا عن مسيئهم

[12].


بل تبلغ الدعوة إلى حب الأنصار أن جعل رسول الله ﷺ حبهم آية على الإيمان ، وبغضهم آية على النفاق ، فقال فيهم: لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ، من أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله.
وممن وردت النصوص بتفضيلهم من الصحابة وإجلالهم ؛ أهل بيت النبي ﷺ ، سواء كانوا من المهاجرين أو الأنصار ،

فقد روى مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال:

قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّـاً ، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال: أما بعد ، أيها الناس ، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثَـقَلين[13]: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال: وأهل بيتي ، وأذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي

[14].


وسيأتي مزيد كلام قريبا إن شاء الله في بيان من هم آل بيته ﷺ .
وسيأتي خصوص كلام في حق آل بيت النبي ﷺ في الحق الرابع عشر إن شاء الله.
وخلاصة القول أن القيام بحقوق الصحابة يتضمن أربعة أمور:
1. محبتهم والترضي عنهم ،

كما أمر الله المؤمنين في قوله

﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾

[15].


2. الإيمان بأنهم أفقه الأمة بأمر دينها ، لأنهم تربوا على عين النبي ﷺ وعاينوا التنزيل ، ولهذا أخبر النبي ﷺ بأن للأربعة المقدمين منهم - وهم الخلفاء الراشدون - سنة متبعة ، ينبغي على من أتى بعدهم أن يتبعها ،

قال رسول الله ﷺ :

فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عَضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة

[16].


3. الكف عما شجر بينهم.

4. الذب عنهم مما قاله بعض المبتدعة فيهم ، كالروافض ومن سلك مسلكهم.

المراجع

  1. أي فتح الحديبية.
  2. رواه البخاري (3007) ومسلم (2494) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  3. «مجموع الفتاوى» (4/429).
  4. الشهود هم العلماء ، والمقصود بالعلماء هنا خصوص علماء الصحابة ، فإن الزنادقة يطعنون فيهم لإسقاط الشريعة ، وقد وصف الله تعالى العلماء بأنهم شهداء في قوله )شهد الله أنه لا إلـٰه إلا هو والملائكة وأولو العلم(.
  5. «تهذيب الكمال» ، ترجمة أبو زرعة الرازي.
  6. رواه مسلم (3022).
  7. «منهاج السنة النبوية» (3/463).
  8. انظر «تفسير القرآن العظيم» ، سورة التوبة ، الآية 100 .
  9. سورة الحشر: 8 .
  10. سورة التوبة: 100 .
  11. كرشي أي بطانتي وموضع سري وأمانتي ، واستعيرت الكرش لذلك لأنها مجمع الغذاء ، والعيبة هي ما يجمع فيه الإنسان نفيس ما عنده. انظر «فتح الباري».
  12. رواه البخاري (3799) ، ورواه مسلم (2510) مختصرا عن أنس بن مالك.
  13. قال ابن الأثير رحمه الله: سماهما ثقلين ، لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل ، ويقال لكل خطير نفيس: ثقل ، فسماهما ثقلين ، إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما. انظر «النهاية».
    وكلمة الثقلان تطلق أيضا على الجن والإنس.
  14. رواه مسلم (2408).
  15. سورة الحشر: 10 .
  16. تقدم تخريجه.


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day