1. المقالات
  2. النصر المؤزر للنبى الموقر
  3. مقتضيات الإيمان بالنبي ﷺ الجزء الاول

مقتضيات الإيمان بالنبي ﷺ الجزء الاول

الكاتب : ماجد بن سليمان الرسي
1000 2020/04/30 2020/06/24

الفصل الثاني: مقتضيات الإيمان بالنبي ﷺ الأربعة عشرة
الإيمان الصادق بالنبي ﷺ يقتضي أمورا عدة ، فليس الإيمان بالنبي ﷺ هو مجرد التصديق بأنه نبي أو أنه رســول ، أو أنه قائد عـظيم ، وأنه يتحلى بأخلاق عظيمة ، ويقف الأمر عند ذلك ، كما يظن بعض الناس ، كلا ، بل الإيمان الصحيح الكامل بالنبي ﷺ يقتضي أربعة عشر أمرا:
1. معرفة اسمه ونسبه ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وعدنان من ولد إسماعيل وإسماعيل من ولد إبراهيم عليه السلام.
ويكفي من هذا معرفة اسمه ، محمد.
2. الإيمان بنبوته ورسالته ، وأنه نـبي رسول من عند الله حقا وصدقا.
3. الإيمان بأن هديه أكمل هدي، وطريقته أحسن طريقة،

والدليل على هذا قول النبي ﷺ :

أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة

[1].


4. الإيمان ببشريته وأنه عبد لله ، لا يُعبد ، وقد جاء التصريح بذلك في آيات كثيرة [2]، كقوله تعالى في أول سورة الإسراء )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله(.

وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبـي ﷺ يقول:

لا تطروني [3] كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا: عبد الله ورسوله

[4].

ويدخل في الإيمان ببشريته ﷺ الإيمان بأنه لا يملك من خصائص الربوبية ولا الألوهية شيء ، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين ،

قال تعالى آمرا نبيه أن يقول للناس

)قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون(

[5].

وقال تعالى لنبيه

)قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا(

[6].

وقال تعالى لنبيه

)قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلـٰهكم إلـٰه واحد فاستقيموا إليه واستغفروه(

[7].


فهذه الآيات وأمثالها تفيد بشرية الأنبياء كلهم ، وأنهم لا يملكون من خصائص الربوبية ولا الألوهية شيء ، فلا يعلمون الغيب ولا يتصفون في الكون ولا يجيبون الدعاء ، بل هم عباد لله مثلنا ، وإنما اختصهم الله بالنبوة ،

قال تعالى

)قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله(

[8].


5. القيام بحقوقه ﷺ ، وعلى رأسها تصديقه ، والانقياد لشريعته ، بفعل ما أمر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وكذا محبته ﷺ ، وسيأتي تفصيل الكلام في بيان حقوق النبي ﷺ في جزء الحقوق.
6. الإيمان بما صح في سيرته من الأخبار الدالة على سيرته المباركة ، وخصاله الحميدة ، وجهاده في دعوته ، وصبره وتحمله لنشر الحق.
وسيرته ﷺ مبسوطة في كتب مطولة ، وقد أُلف فيها كتبا كثيرة ، أشهرها كتاب «سيرة ابن إسحاق» لمحمد بن إسحاق بن يسار ، وكذا «الروض الأُنف في شرح السيرة النبوية» لعبد الرحمـٰن ابن عبد الله السهيلي ، و «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» لابن سيد الناس ، وكتاب «الفصول في سيرة الرسول» لابن كثير ، رحمهم الله جميعا ، ومن المعاصرين ألف د. أكرم 

ضياء العمري حفظه الله كتابا شاملا اشترط فيه صحة الأخبار ، وَوَسَـمَه «السيرة النبوية الصحيحة» ، وقد أُلِّفت غيرها من الكتب.
7. الإيمان بما جاء من صفاته الخَـلقية والخُـلُقية ، كصفة طوله وهيئته ومشيته ، وصفة وجهـه الشريف وجمال خلقته ، وكذا ما حباه الله من أخلاق عظيمة لم تجتمع لأحد غيره ، كالصدق والأمانة والرحـمة وصلة الرحم والعفو وغيرها ، وقد صنف في صفاته الخَـلقية والخُـلُقية عدة مصنفات ، منها كتاب «الشمائل المحمدية» لأبي عيسى الترمذي ، وكتاب «الأنوار في شمائل النبي المختار» للحسين بن مسعود البغوي ، وكتاب «أخلاق النبي ﷺ وآدابه» لأبي القاسم الأصبهاني ، وكتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » للقاضي عياض بن موسى اليحصُبي ، رحمهم الله جميعا.
وقد صنف بعض المتأخرين كتبا جامعة لأقوال المتقدمين في هذا الباب ، ككتاب «موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم» ، وتقع في اثني عشر مجلدا ، وكتاب «الصحيح المسند من الشمائل المحمدية» لأم عبد الله الوادعية.
8. الإيمان بما جاء من خصائصه الذاتية والشرعية ، كتكريم الله له بالمقام المحمود ، وهو الشفاعة الكبرى للناس يوم القيامة ، ونصرته له بالرعب مسيرة شهر ، وإحلال الغنائم له ولأمته ، ومن أعظم خصائصه أنه أفضل الخلق ، وخاتم النبيين ، وقد صُنفت في هذا الباب عدة مصنفات ، منها كتاب «الخصائص الكبرى» لجلال الدين السيوطي ، وكتاب «خصائص النبي ﷺ » لسراج الدين ابن الملقن ، وكتاب «بداية السول في تفضيل الرسول» للعز بن عبد السلام ، وكذا كتاب «كشف الغمة ببيان خصائص رسول الأمة ﷺ » ، لأبي الحسن مصطفى بن إسماعيل المأربي ، وهو أجمع تلك الكتب ، وسوف نستعرض على سبيل التفصيل هـٰذين النوعين من الخصائص في باب بيان عِظم قدره ﷺ إن شاء الله. 
9. الإيمان بما جاء من دلائل نبوته ﷺ ، وهي كثيرة ، وأعظمها إنزال القرآن العظيم عليه ، وانشقاق القمر له ، وحنين الجذع إليه ، وتسبيح الطعام بين يديه ، ونبع الماء وتكثيره بين أصابعه ، وتكثير الطعام القليل ، وإخباره عن الغيبيات المستقبلية ، وقد تقدم ذكر طائفة من دلائل نبوته في المبحث السادس من هذا الكتاب. 
وقد ألف عماد الدين بن كثير رحمه الله كتابا أسماه «شمائل الرسول ﷺ ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه» جمع فيه أحاديثا تتعلق بالمواضيع الثلاث المتقدمة ، وأودعه في كتابه الكبير «البداية والنهاية».
10. الإيمان بأنه خاتم النبيين ، ورسالته خاتم الرسالات ،

كما قال تعالى

﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾

[9].


والدليل من السنة على أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين

حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :

وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي ، وأنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي ...

الحديث[10].

وعن جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ :

إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاَّ وضعت هذه اللبنة ؟ قال: فأنا اللَّـبِنة ، وأنا خاتم النبيين

[11].


11. الإيمان بأن رسالته ناسخة لـما قبلها من الشرائع ، كشريعة عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام ، ومهيمنة عليها كلها ،

قال تعالى

)وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

[12]

( ، فلا يجوز التعبد لله بغير شريعة الإسلام مطلقا.
12. الإيمان بأنه بعد بعثة النبي ﷺ لا دين مقبول عند الله إلا دين الإسلام ،

والدليل على ذلك قوله تعالى

)ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(

[13].

ومن السنة قوله ﷺ :

والذي نفس محمد بيده ؛ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ؛ إلا كان من أصحاب النار

[14].

13. الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها ، وترك أمته على البيضاء ،

والدليل على هذا قوله تعالى

﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾

[15].

ومن السنة ما روى الشيخان عن مسروق قال:

كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ، ثلاثُ من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية  - وذَكَرَت منها – ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول )يا أيها الرسول بلغ ما أُنزِل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته(

[16].

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال:

لقد تركَنا محمد ﷺ وما يحرِّك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما

[17].


وقد شهد الصحابة للنبي ﷺ في حجة الوداع بأنه بلغ الدين ، وكان عددهم نحوا من أربعين ألفا ،

فإنه لـما قال لهم النبي ﷺ :

تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ؛ كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُـتُها [18]إلى الناس: اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، ثلاث مرات

[19].


14. الإيمان بعموم رسالته إلى الإنس والجن ،

قال تعالى

﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾

[20] ،

وقوله

﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾

[21].

ومما ينبغي التنبيه إليه هو أن لفظة «الناس» تعم الإنس والجن ، كما دل على هذا قوله تعالى ﴿الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس﴾.  
وقد جاء ذكر إثبات دعوة النبي ﷺ للجن إلى الإسلام في سورة «الجن» ، فقد أتى بعض الجن فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام ، فنزلت في هذا آيات من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى )وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصِتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم(.

والدليل من السنة على عموم رسالته حديث أبي ذر رضي الله عنه قال:

قال رسول الله ﷺ : أوتيت خمسا لم يؤتهن نبي كان قبلي ؛ وذكر منها: وبعثت إلى الأحمر والأسود

[22].

وقد قام النبي ﷺ بدعوة الناس كافة كما أمره ربه ، فدعا عشيرته الأقربين ، ثم كاتب ملوك العرب والفرس والروم ، وكاتب النجاشي ملك الحبشة ، ودعا الجن إلى الإسلام ، وغزا من أجل تسهيل الطريق أمام الدعوة ، ثم سار صحابته على سيرته من بعده ، فدعوا إلى الله تعالى ، وحفظوا السنة والقرآن ، وغزوا المرتدين ، وقاتلوا من ادّعى النبوة ، وفتحوا الآفاق ، ففتحوا الشام ومصر والمغرب ، وفتحوا خُراسان ، ونشروا التوحيد في كل مكان ، وهدموا الأصنام ، وفعلوا وفعلوا لنصرة الإسلام مما هو مُدوَّن في بطون كتب التاريخ والحديث ، فرحمهم الله وجزاهم خيرا ، وجعل ما قدموا وما قدّمت الأجيال بعدهم في موازين حسناتهم يوم القيامة.
15. الإيمان بعصمته ﷺ ، والنبي ﷺ معصوم [23] من خمسة جوانب ؛ 
1. معصوم في مجال التبليغ.
2. معصوم من الوقوع في الشرك.
3. معصوم من كبائر الذنوب.
4. معصوم في نسبه الذي تناسل منه من السِّفاح.

5. معصوم من رذائل الأخلاق.
الجانب الأول: عصمته في مجال التبليغ من الخطأ والنسيان
عصمة الأنبياء عليهم السلام من الخطأ والنسيان في مجال التبليغ والرسالة يعتبر من الضرورات ، إذ أن الرّسل هم الوسائط في التبليغ بين الله وبين عباده ، فبهم يهتدي البشر إلى عبادة الله سبحانه وتعالى التي يرتضيها ، فلهذا أوجب الله العصمة لكافة أنبيائه ورسله في هذا الجانب لتصل الرسالة كاملة إلى العباد غير منقوصة ولا محرفة ، فتقوم الحجة عليهم.
وقد جاءت الأدلة الخاصة لعصمة نبينا محمد ﷺ ،

ومن ذلك قوله تعالى

﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾

[24].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال:

إني لا أقول إلا حقا. قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: إني لا أقول إلا حق

ا[25].


وقد أجمعت الأمة على عصمته في مجال التبليغ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه ، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه ،

كما قال تعالى

)قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم[

[26].

وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة.
والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة ، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين[27]. 

قال ابن كثير رحمه الله في

تفسير قوله تعالى:

)يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس(

[28]


ومِن عصمة الله لرسوله حِفظه له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومعانديها ومترفيها ، مع شدة العداوة والبُغضَة ، ونصب المحاربة له ليلا ونهارا ، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة ، فصانه في ابتداء الرســــــــالة بعمه أبي طالب ، إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش ، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا ، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة ، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود.
وكلما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه ، كما كاده اليهود بالسحر ، فحماه الله منهم وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواءً لذلك الداء ، ولما سَـمّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه ، ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. انتهى باختصار.
وقد عقد القاضي عياض رحمه الله فصلا كاملا بعنوان «فصل في عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته من آذاه» ، وذلك في كتابه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » ذكر فيه نحو عشرين قصة وقعت للنبي ﷺ ، تدل على وقاية الله لنبيه من أذى الكفار حتى بلّغ رسالة ربه ، منها قصته لما اجتمعت قريش على قتله ، فخرج عليهم من بيته ، وخلف مكانه علي بن أبي طالب ، فخرج ولم يروه ، وقصته وهو في طريق الهجرة لما خرج المشركون في طلبه فاختبأ في الغار مع أبي بكر ، ثم لما أدركه سراقة بن جعشم دعا عليه النبي ﷺ فساخت ركب فرسه فلم يستطع أن يدركه ، وغيرها من القصص ، فمن أراد التوسع فليراجع الفصل المذكور.
ومن كتب المتأخرين في هذا الباب كتاب «محاولات اغتيالات النبي ﷺ » لعبد المنعم الهاشمي[29].
الجانب الثاني: عصمته من الوقوع في الشرك
عُصم النبي ﷺ من الوقوع في الشرك قبل البعثة وبعد البعثة من باب أولى ، فأما قبل البعثة فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ لم يسجد لصنم قط أو استلمه أو غير ذلك من أمور 

الشرك التي كان يفعلها قومه ، فقد كان يَعرف الله بفطرته ، وكان يتعبد الله في غار حراء سنين عديدة ويفرِدُه بذلك ، لا كما كان يفعل المشركون من صرف العبادة لله ولغيره ، ولا غرابة في ذلك التوحيد لله تعالى ، فقد استخرج الله حظ الشيطان منه مرتين ، لما كان صغيرا ، ولـما كبر ، وذلك في حادثة شق صدره ﷺ ،

فأما الأولى فعن أنس بن مالك رضي الله عنه

أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه فشقَّ عن قلبه فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علَقة [30]، فقال: (هذا حظ الشيطان منك) ، ثم غسله في طستٍ[31] من ذهب بماء زمزم ثم لأَمَه[32] ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يَسعون إلى أمه – يعني ظِـئره [33]- فقالوا: (إن محمدا قد قُـــــتِل) ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون[34]. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخِيط في صدره

[35].

والثانية قُبيل العروج به إلى السماء ،

أتاه ملَك ، فشقه من النحر إلى أسفل البطن ، ثم غسَل البطن بماء زمزم ، فاستخرج قلبه فغسله بماء زمزم ثم أعيد مكانه ، ثم أُتِي بطست ملآن إيمانا وحكمة فحُشِي قلبه إيمانا وحكمة ثم أطبقه ، ثم أُتي بدابَّـةِ «البُـرَاق» ، فـعُرِج به إلى السماء

[36].


روى ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله )ألم نشرح لك صدرك( ، أي: مُلئ حِكَمًا وعلمًا[37].
قال الحافظ في «الفتح»: الشق الأول كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها (هذا حظ الشيطان منك) ، والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة[38].
وقال أيضا في الحكمة من شق صدره وهو صغير:

كان هذا في زمن الطفولية ، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة[39].
ويكفيك في الدلالة على نفور النبي ﷺ من الشرك قبل البعثة ما جاء في

قصة بُـحَيرا الراهب أنه

استحلف النبي ﷺ باللات والعُزّى حينما لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب ، فقال بحيرا للنبي ﷺ : يا غلام ، أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسالك عنه. فقال النبي ﷺ : لا تسلني باللات والعزى شيئا ، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط

[40].


ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن الله عصم نبيه ﷺ من نزغات الشيطان ، فقد أعانه الله عليه فأسلمَ فصار لا يأمره إلا بخير ،

فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ خــــــــــــــــــــــــــــــــــرج من عندها ليلا ، قالت:

فغِرتُ عليه[41] ، فجاء فرأى ما أصنع ، فقال: مالكِ يا عائشة ، أغِــرتِ؟ فقلت: وما لي لا يَغارُ مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : أقد جاءكِ شيطانُكِ؟ قالت: يا رسول الله ، أو معي شيطان؟ قال: نعم . قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم . قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم

[42].

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :

ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمَ ، فلا يأمرني إلا بخير

[43].


المراجع

  1. رواه مسلم عن جابر (867).
  2. يراجع «المعجم المفهرس لألفظ القرآن» ، مادة «عبد» و «عبدنا» و«عابد» ونحوها.
  3. الإطراء هو الإفراط في المدح ، انظر شرح اللفظة في شرح الحديث في «فتح الباري».
  4. رواه البخاري (3445) واللفظ له ، وأحمد (1/23) ، والدارمي (2787).
  5. سورة الأعراف: الآية 188 .
  6. سورة الكهف: الآية 110 .
  7. سورة فصلت: الآية 6 .
  8. سورة النمل: الآية 65 .
  9. سورة الأحزاب: 40 .
  10. رواه أبو داود (4252) وأحمد (5/278) ، وصححه الألباني ، وكذا محققو «المسند» وقالوا: على شرط مسلم.
    وقد جاءت هذه اللفظة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في المسند (2/103) ولفظها: والله لقد سمعت رسول الله r يقول: ليكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر. وقال محققو «المسند»: صحيح لغيره.
  11. رواه البخاري (3535) ومسلم (2286) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
  12. سورة المائدة: 48 .
  13. سورة آل عمران: 85 .
  14. رواه مسلم (153) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد تقدم ذكره.
  15. سورة المائدة: 3 .
  16. رواه البخاري (4855) ومسلم (287 ، 177) ، واللفظ لمسلم.
  17. رواه أحمد (5/153) ، وحسنه محققو «المسند».
  18. أي يقلِبها ويردِّدها إلى الناس مشيرا إليهم. قاله النووي في شرح الحديث.
  19. خرجه مسلم (1218) عن جابر رضي الله عنه.
  20. سورة الأعراف: 158 .
  21. سورة الأنبياء: 107 .
  22. رواه أحمد (5/145) ، وصححه محققو «المسند».
  23. العِصمة في اللغة هي المنع والوقاية ، انظر «لسان العرب».
  24. سورة النجم: 3 - 4 .
  25. أخرجه أحمد (2/340) ، والترمذي (1990) ، وقال: حديث حسن صحيح.
  26. سورة البقرة: 136 – 137 .
  27. «مجموع الفتاوى» (10/289-290) ، باختصار ، وانظر ما قاله الشنقيطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى )وعصى آدم ربه فغوى[ (سورة طـٰه: 121).
  28. المائدة: 67 .
  29. الناشر: مكتبة البخاري ، الكويت..
  30. العَـلقة هي قطعة دم متجمدة. انظر «النهاية».
  31. الطست آنية من نحاس. انظر «لسان العرب».
  32. أي ضمه وأعاده كما كان.
  33. أي مرضعته ، والمشهور أن اسمها حليمة السعدية.
  34. أي متغير اللون بسبب خوف أو ألم. انظر «النهاية».
  35. رواه مسلم (162).
  36. رواه البخاري (349 ، 3207) عن مالك بن أبي صعصعة ، ومسلم (164) عن أبي ذر رضي الله عنه.
  37.   برقم (31681) ، كتاب الفضائل ، باب ما أعطى الله تعالى محمدا ﷺ .
  38. شرح حديث رقم (349).
  39. «فتح الباري» ، شرح الحديث رقم (3887).
  40. رواه البيهقي في «الدلائل» (2/27).
    وقد عقد بعض من صنف في دلائل النبوة فصلا خاصا بهذا الموضوع ، وذكر فيه العديد من الأحاديث والشواهد ، فليراجعها من أراد الاستزادة ، انظر مثلا كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي ، فصل «باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها لما يريد به من كرامته برسالته حتى بعثه رسولا». وكذا «دلائل النبوة» لأبي نعيم الأصبهاني ، فصل «ذكر ما خصه الله عز وجل به من العصمة ، وحماه من التدين بدين الجاهلية».
  41. أي غارت أن يكون ذهب إلى بعض نسائه.
  42. رواه مسلم (2815).
  43. رواه مسلم (2814).


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day