البحث
إغراءات وتحديات في الطريق!
إغراءات في طريق الدعوة!
بعد ما فشلت محاولات الوليد بن المغيرة في التأثير على النبي.
قررت قريش أن يرسلوا له عبتة بن ربيعة سيد قبيلة عبد شمس، ليعرضوا عليه عرضاً مغرياً لم يعرضوه على أحد من العرب من قبل !
فذهب إلى النبي وتلطف معه بالكلام وقال:
يا ابن أخي قد رأيت ما صنعت بقومك، فرّقت بينهم، وسببت دينهم وآلهتهم وكفّرت آبائهم وفعلت ما فعلت.
فإن رأيت أن أعرض عليك عرضاً؟
فقال له سيدنا محمد: قل يا أبا الوليد.
فقال عتبة: يا محمد، إن كنت جئت بهذا الحديث تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا، فنحن نجعلك سيدنا وزعيمنا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك مسٌّ من الجن عالجناكَ حتى تشفى منه.
لم يتكلم محمد بشئٍ و ظل صامتاً، ثم سأل محمد عتبة: أفرغت يا أبا الوليد؟
قال عتبة: نعم
فرد عليه محمد صلى الله عليه وسلم بآيات من القرآن:
"حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ"
فأكمل محمد قراءته إلى أن وصل إلى آية :
"فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"
هنا ارتعش عتبة وتسمّر مكانه وبدأ بالهلع ثم قال لنبينا محمد:
يا محمد.. يا محمد ناشدتك بالله أن تقف.
فهو يعرف الصاعقة التي نزلت على عادٍ وثمود.
ثم خرج عتبة من عند محمد، فلما رآه المشركين وهو خارج لاحظو أن وجهة قد اصفرّ وتغيّر.
فذهبوا إليه وسألوه: ما بك يا أبا الوليد؟
قال لهم: يا معشر قريش، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، اتركوا هذا الرجل واعتزلوه، فإن أعرض عنه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
فذهب المشركون عن عتبة وابتعدوا عنه وهم يقولون: سُحر عتبة، سحره محمد، سحره محمد. (1)
عروض صبيانية!
لقد باءت كل محاولات كفار قريش بالفشل، لدرجة أنهم قرروا التنازل عن بعض كبريائهم فقدموا له اقتراحين:
الأول: اعبد آلهتنا عام، ونحن نعبد إلهك عام.
الثاني: أنت تعبد هبل واللات والعزى، ونحن أيضاً نعبد إلهك في نفس الوقت، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منها.
تخيل..!!
لقد كانت هذه الاقتراحات السخيفة تصدر من عقول أكثر الناس حكمةً في قريش!
كل هذا لجحودهم عن قبول الحق والإذعان له.
فانتظر محمد الوحي ليردّ عليهم، فرد الله عليهم رداً قويّا صاعقاً ليقطع عليهم هذه المفاوضات الطفوليّة والبائسة، فنزلت سورة الكافرون:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿1﴾ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿2﴾ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿3﴾ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿4﴾ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿5﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿6﴾
أبى الله ورسوله أن يتلوث التوحيد الصافي بأي من علائق الجاهلية، وعبادة الأصنام، حتى لو وقف العالم كله في وجه دعوة الإسلام. (2)
حتى وصل لنا الدين صافياً نقيا تذوق فيه حلاوة الإيمان.
تحديات إعجازية!
عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البختري، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل.
تجمع قطيع المشركين هؤلاء، بعد غروب الشمس، عند ظهر الكعبة.
فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه ليأتي إلينا، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلّموك.
فجاءهم محمد وهو يظن أنهم قد لانوا، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه إعراضهم، حتى وصل إليهم وجلس بينهم.
فسألهم محمد: ما أمركم؟
فقالوا: يا محمد قد رأيت ما صنعتَ بنا و بقومنا، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك من قبل وأصررت على دعوتك، فنريد أن نطلب منك شيئاَ تفعله لنؤمن لك.
فبدأ المشركون بطلباتهم.
فقالوا لمحمد: "لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً"
فقد رأيت أن مكة أُحيطت بالجبال، فادع ربك ليزيل هذه الجبال، وأن يجعل لنا أنهاراً مثل أنهار الشام والعراق، لعلنا نأخذ منها خيراً ومتاعاً في هذه الدنيا، لأنه لم يكن عندهم ماء إلا ماء زمزم فقط، فكانوا يريدون ينابيع وأنهار.
فقال لهم محمد:
ما بهذا بُعِثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
ثم قالوا لمحمد: "أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ* فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً"
إنّا نراك تمشي بيننا في الأسواق وتعمل كما نعمل، ليس لك فضلٌ علينا، فلو كنت نبيّاً كما تزعم، لِم لا يجعل لك الربُّ جناتٍ وخيرات بدل عملك مثلنا؟
فرد عليهم محمد:
يا قوم، والله ما بهذا بعثت، إنما بعثت لأبلّغكم رسالاتِ ربكم وأنا لكم ناصحٌ أمين، فإن قبلتم وإلّا سأصبر حتى يحكم الله بيننا.
فطلبوا من محمد: "أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً"
انظر إلى السماء يا محمد، فأنزل علينا قطعاً من السماء فيها عذاب، أو ائت بربك والملائكة معك من أجل أن نؤمن بك.
قال محمد:
وأما هذه فإنها ليست لي، فإن شاء الله فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
ثم أكملوا: "أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ"
يا محمد نريد أن يكون لك بيتٌ من ذهب، فأنت ساكن في غرف بسيطة، نريد أن يكون لك بيت من زخرف مزخرف وجميل.
بل تمادوا لدرجة أن يقولوا لمحمد: "أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ* وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ* حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ"
ما رأيك يا محمد أن تصعد للسماء؟ وإن صعدت إلى السماء وفتح لك طريق فلن نؤمن بك حتى تصعد و ترجع من السماء بكتابٍ نقرؤه.
فأجابهم محمد:
"قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً"
تطلبون شيئاً ليس مني أصلاً، فأنا بشر رسول مكلف بأداء رسالة، أوحى الله بها إليَّ وأنا أبلغها لكم. (3)
كان واضحاً جداً أنه ليس هدف كفار قريش في طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم ـ
بعض الآيات والمعجزات التأكد من صدقه، وإنما مجرد التعنت والتعجيز له ، فالقضية ليست نقصاً في الدلالة، فأدلّة صدق النبي صلى الله عليه وسلم ـ من سيرته وحياته، وآياته ومعجزاته، على أنه رسول من عند الله أوضح من الشمس، فالصادق يكفيه دليل والجاحد لا يكفيه ألف دليل.
( وَانشَقَّ الْقَمَرُ )
في ليالي من ليالي مكة والقمر نوره يعم كل الأرجاء، جاء الكفار إلى النبي و طلبوا منه أن يشق القمر الذي ينير أمامهم.
حتى يثبتوا عجزه عن الإستجابة لمطالبهم
فما كان من النبي إلا أن يرفع يده إلى السماء ثم يدعوا الله
فانشق القمر إلى نصفين، نصف على جبل أبي قبيس والنصف الآخر على جبل قعيقعان، حتى ظهر جبل حراء بينهما أمام جميع الناس.
فما كان من الكفار إلا أن يقولوا بصوت عال للناس: سحركم محمد
ولكن لم ينفعهم ادعائهم بالسحر هذه المرة، مع شهود جميع من شاهدوا تلك الحادثة من المسلمين والكفار!
ومع ذلك استمروا على كفرهم و قالوا:
هذا سحر مستمر ولم يؤمنوا؛ لأنهم ما طلبوا الآيات رغبة في التصديق، و الإتباع وإنما لمجرد الجدال والمراء.(4)
حتى نزل فيهم قول الله
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)
وهكذا حال كثير من الناس إذاً جئته بالحق والبرهان لا يؤمن به ويتبع هواه
فلذلك دائما ما ندعوا الله: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابة.
في الحلقة القادمة سيلجأ الكفار إلى أبغض الناس لبني الإسلام
فمن هم يا ترى الذين سيدخلوهم في العداوة معهم، ليبدأوا في تجهيز مكائد جديدة ضده؟
ومن هو الذي سيبدأ حرب الإلهاء؟
ومن هو المشرك الذي سيرى أمامه خندقاً من النار؟
كل هذا ستعرفونه بالتفصيل في الحلقة القادمة.. انتظرونا من برنامج طريق النور
المراجع
- كتاب سيرة ابن هشام ت السقا - عبد الملك بن هشام - الجزء الأول - صفحة 292 و 293
- كتاب السيرة النبوية - راغب السرجاني - الجزء السابع - صفحة 5
- كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - الصالحي الشامي - الجزء الثاني - صفحة 238 إلى 24
- 0كتاب عيون الأثر - ابن سيد الناس - الجزء الأول - صفحة 134