1. المقالات
  2. السِّيرَةُ النَّبويَّةُ (تَربِيةُ أمَّةٍ وَبنَاءُ دَوْلَةٍ)
  3. المرافق العامة

المرافق العامة

الكاتب : صالح أحمد الشامي

المرافق العامة:

إن المرافق العامة، وهي ما يحتاجه الناس عامة، ولا ينبغي أن تكون في ملك فرد أو جماعة، أو تحت هيمنة فرد أو جماعة، وإنما ينبغي أن تكون متاحة للجميع وفي متناول الجميع، ونتحدث في هذه الفقرة عن مثالين؛

1- سوق المدينة:

قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها عدد من الأسواق منها: سوق زبالة وسوق بني قينقاع ويطلق عليها أيضاً اسم سوق الجسر، وسوق الصفصاف، وسوق مزاحم (1).

وكانت السوق الرئيسة هي سوق بني قينقاع، وأما الأسواق الأخرى فكانت صغيرة. .

وكما هو واضح من اسم "سوق بني قينقاع" أن اليهود هم الذين يسيطرون عليها ويتحكمون بها، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت هي السوق التي يرجع إليها الجميع. ولذلك لما سأل عبدالرحمن بن عوف عند بدء هجرته عن السوق، أرشد إلى سوق بني قينقاع.

وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الأمر على ذلك، ورأى اليهود يتحكمون في السوق وعندها كان لا بد من التفكير في إقامة سوق للمسلمين، لا يكون فيها سيطرة لأحد.

روى الطبراني من طريق الحسن: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

إني رأيت موضعاً للسوق أفلا تنظر إليه، قال: بلى، فقام معه، حتى جاء موضع السوق فلما رآه أعجبه، وركض برجله وقال: "نعم  سوقكم هذا، فلا ينقص ولا يضربن عليكم خراج" (2).

وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إِلَى سُوقِ النَّبِيطِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ" ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سُوقٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ" ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا السُّوقِ فَطَافَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سُوقُكُمْ فَلَا يُنْتَقَصَنَّ وَلَا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ" (3).

وعن عمرو بن شبة عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمدينة سوقاً، أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة، فضربه برجله وقال: "هذا سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج" (4).

تبين هذه النصوص أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن راضياً عن تعامل المسلمين في سوق بني قينقاع فطلب من المسلمين أن يفتشوا عن مكان يصلح لهذه المهمة، ثم أخبر بوجود المكان المناسب، فخرج بنفسه فرآه، ثم أقره، وقال: هذا سوقكم. .

وهكذا انتقل المسلمون إلى المكان الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم.

ويغلب على الظن أن هذه القضية - قضية نقل السوق - كانت عاملاً من عوامل حقد بني قينقاع على المسلمين، وربما كانت السبب في أنهم كانوا أول من نقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه من الحرص على الاستقلال الاقتصادي للمسلمين وفي وقت مبكر، فقد كانت الحادثة في تقديري مع بداية هذه المرحلة الثانية أي بعد بدر مباشرة.

2- بئر رومة:

قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، والماء الصالح للشرب قليل، "فليس هناك ما يستعذب إلا بئر رومة" (5).

وكانت هذه البئر ليهودي يبيع ماءها بيعاً "فلم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن" (6).

ولم ير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم استقامة هذا الوضع، فماء الشرب حاجة يومية لا يستغني عنها إنسان، وليس من المعقول أن يتحكم بهذه الحاجة إنسا من الناس بغض النظر عن دينه، ولذا لفت الأنظار إلى هذا المرفق الضروري فقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ" (7).

إنه صلى الله عليه وسلم يريد ممن يشتريها أن يجعلها عامة للمسلمين وتكون دلوه فيها كدلاء المسلمين غير متميز عليهم، أي تكون دلوه فيها باعتبار مسلماً لا باعتباره أنه الذي اشتراها. وبهذا تكون ملكاً عاماً لا سيطرة لأحد عليه.

ليست القضية إذن أن تنتقل البئر من ملك يهودي إلى ملك مسلم، وإنما أن تنتقل من الملك الخاص إلى ملك عام، ولم يكن لدى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المال ما ينفذ به هذا الأمر فكان لا بد من حض المسلمين على القيام به ابتغاء رضوان الله تعالى.

ولا شك أن صاحب البئر سيغالي بها، فهي بئر وحيدة، وتدر عليه المال الكثير. . ولكن الله تعالى هيأ لهذا العمل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

جاء في كتاب الاستيعاب لابن عبدالبر في ترجمة عثمان رضي الله عنه:

"واشترى عثمان بئر رومة، وكانت ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَشْتَرِي رُومَةَ فَيَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ، يضرب بدلوه  في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة" فأتى عثمان اليهودي فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها بإثني عشر ألف درهم، فجعله للمسلمين. فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيب قرنين، وإن شئت فلي يوم ولك يوم، قال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين. فلما رأى ذلك اليهودي قال: أفسدت علي ركيتي (8)، فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف".

المراجع

  1. عن كتاب (المدينة في العصر الجاهلي) للدكتور محمد الخطراوي ص 126.
  2. انظر (نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية) للكتاني 2/ 163.
  3. سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، باب (40) رقم الحديث 2233.
  4. انظر كتاب (آثار المدينة) لمؤلفه عبدالقدوس الأنصاري ص 163، المكتبة السلفية: نقلاً عن كتاب: وفا الوفا.
  5. رواه النسائي والترمذي. انظر جامع الأصول 8/ 638 رقم الحديث 6474.
  6. رواه الترمذي. انظر جامع الأصول 8/ 641 رقم الحديث 6475.
  7. رواه البخاري معلقاً عند الباب الأول من كتاب المساقاة. قال في فتح الباري: وقد وصله الترمذي والنسائي وابن خزيمة من طريق ثمامة بن حزن 5/ 30.
  8. هي البئر.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day